الوطن بِرٌ وبُورٌ
إن حب الأوطان ليس مجرد شعور عابر، أو قصيدة تُلقى في المناسبات، بل هو عقيدة راسخة تضرب بجذورها في أعماق الفطرة الإنسانية والسنة النبوية. فالوطن هو المستقر، وهو الحضن الذي نبتت فيه الأجساد واغتذت منه الأرواح، والتعامل معه يتأرجح بين قيمتين لا ثالث لهما: إما "برٌّ" يرفعه إلى عنان السماء، أو "بورٌ" يهوي به إلى قاع الضياع. وكما قال الشاعر أحمد شوقي مؤكداً على قدسية هذا الرباط: وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ .. يَدٌ سَلَفَت وَدَينٌ مُستَحِقُّ حب الوطن.. فطرةٌ سنَّها الأنبياء فلم يكن خروج النبي ﷺ من مكة مجرد رحيل مكاني، بل كان درساً بليغاً في الانتماء؛ حين وقف على مشارفها وقال بقلبٍ يملؤه الحنين: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت". هذا النص النبوي يرسخ مبدأً شرعياً: أن حب الوطن عبادة، وأن الوفاء لترابه هو عين البر. وقد اقترن حب الديار في القرآن الكريم بحب النفس في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} [النساء...