منة ونعمة
بقلم :نعمة محمد مصطفى الشنشوري
واعظة بمجمع البحوث الإسلامية
منطقة وعظ جنوب سيناء
كان العالم قبل بعثة النبي ﷺ يشهد حالة من التدني الأخلاقي، والتخبط
الاقتصادي، والتمايز الطبقي، ومن الله علينا بميلاد النبي ﷺ حيث قال الله تعالى:
(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ
أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ
الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) "ال عمران ١٦٤" فكان ميلاد النبي
محمد ﷺ منة ونعمة.
فكان الناس يعيشون في جاهلية يعبدون الأصنام، ويأكلون الميتة، ويأتون الفواحش،
ويقطعون الأرحام، والقوي منهم يأكل الضعيف، إلى أن بعث الله النبي محمد ﷺ نبي منهم
يعرفون نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، ودعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له،
وترك عبادة الأصنام، وأمرهم بالصدق، والأمانة، وصلة الأرحام، وأمرهم بالصلاة،
والزكاة، والصيام، ونهاههم عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، فقد جاء ﷺ
متمما لمكارم الاخلاق؛ فهو الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، الهادي للحيارى
والناصر للمستضعفين، *منة ونعمة*وهنا تحكي السيدة حليمة السعدية وتقول قَدِمنَا
مَكَّةَ نَلْتَمِسُ الرُّضَعَاءَ، فَمَا مِنَّا امْرَأَةٌ إلَّا وقَدْ عُرِضَ
عَلَيْهَا رسُولُ اللَّهِ _ﷺ_ فَتَأْبَاهُ، إِذَا قِيلَ لَهَا أَنَّهُ يَتِيمٌ،
وذَلِكَ أنَّا إِنَّمَا كُنَّا نَرْجُو المَعْرُوف والمالَ مِنْ أَبِي الصَّبِيِّ،
فكُنَّا نَقُولُ: يَتِيمٌ، ومَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ أمُّهُ وَجَدُّهُ؟ فكُنَّا
نَكْرَهُهُ لِذَلِكَ . فَمَا بَقِيَتِ امْرَأَةٌ قَدِمَتْ مَعِي إلَّا أَخَذَتْ
رَضِيعًا غَيْرِي، فَلَمَّا أَجْمَعْنَا الاِنْطِلَاقَ، والعودة لديار بني سعد،
قُلْتُ لِزوجي: وَاللَّهِ إنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَرْجعَ مِنْ بَيْنِ صَوَاحِبِي،
ولَمْ آخُذْ رَضِيعًا، وَاللَّهِ لَأَذْهَبَنَّ إِلَى ذَلِكَ اليَتِيمِ
فَلَآخُذَنَّهُ.
فقَالَ زوجها: لا عَلَيْكِ أَنْ تَفْعَلِي، عَسَى اللَّهُ أَنْ
يَجْعَلَ لَنَا فِيهِ بَرَكَةً.
قَالَتْ: فَذَهَبْتُ إِلَيْهِ فأخَذْتُهُ، ومَا حَمَلَنِي عَلَى أَخْذِهِ
إلَّا أنِّي لَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ.
قالَتْ: فَلَمَّا أَخَذْتُهُ، رَجَعْتُ بِهِ إِلَى رَحْلِي، قالت: فَلَمَّا
وَضَعْتُهُ في حِجْرِي أَقْبَلَ عَلَيْهِ ثَدْيَايَ بِمَا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ ,*منة
ونعمة* فَشَرِبَ حتَّى رَوِيَ، وشَرِبَ مَعَهُ أخُوهُ حَتَّى رَوِيَ، ثُمَّ
نَامَا، ومَا كُنَّا نَنَامُ مَعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وقَامَ زَوْجِي إِلَى
شَارِفِنَا تِلْكَ، فَإِذَا هِيَ حَافِلٌ [كثيرة اللبن ] فَحَلَبَ مِنْهَا
وشَرِبَ، وشَرِبْتُ مَعَهُ حتَّى انْتَهَيْنَا رِيًّا وشِبَعًا، فَبِتْنَا
بِخَيْرِ لَيْلَةٍ، ثم قَالَتْ حليمة: فقال زوجي حِينَ أصْبَحْنَا: تَعْلَمِي
واللَّهِ يا حَلِيمَةُ، لَقَدْ أخَذْتِ نَسَمَةً مُبَارَكَةً، قالَتْ: فقُلْتُ
واللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو ذَلِكَ، قالَتْ: ثُمَّ خَرَجْنَا ورَكِبْتُ أتَانِي،
وحَمَلْتُهُ عَلَيْهَا مَعِي، فَوَاللَّهِ لَقَطَعْتُ بِالرَّكْبِ. *منة ونعمة*
تقول : مَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ حُمُرِهِمْ .حتَّى إِنَّ صَوَاحِبِي
لَيَقُلْنَ لِي: يَا ابْنَةَ أَبِي ذُؤَيْبٍ، وَيْحَكِ أَرْبِعِي عَلَيْنَا
[ارفُقِي وانتظرينا ]، أَلَيْسَتْ هَذِهِ أتَانُكِ التِي كُنْتِ خَرَجْتِ
عَلَيْهَا؟
فأَقُولُ لَهُنَّ: بَلَى وَاللَّهِ، إنَّهَا لَهِيَ هِيَ، فَيَقُلْنَ:
وَاللَّهِ إِنَّ لَهَا لَشَأْنًا.
قَالَتْ: ثُمَّ قَدِمْنَا مَنَازِلَنَا مِنْ بِلَادِ بَنِي سَعْدٍ، ومَا
أَعْلَمُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ اللَّهِ أَجْدَبَ مِنْهَا[ لا نَبَات فيها ] ،
فَكَانَتْ غَنَمِي تَرُوحُ عَلَيَّ [ ترجع في آخر النهار ]حِينَ قَدِمنَا بالقرشي
مَعَنا شِبَاعًا لُبّنًا، فَنَحلبُ ونَشْربُ ما شئنا من اللبن، *منة ونعمة* وترجع
أغنام القوم جياعا هالكة،.
وُلِدَ ﷺ يتيمًا لحكمةٍ بالغةٍ؛ ولعل هذه الحكمة تكمُن في إحساسه بالآخرين
ومدى معاناة اليتيم، وقد تكون هذه الحكمة لأمته متمثله في الصبر وعدم الجزع بموت
الآباء فهذا نبينا ﷺ قد فقد أباه، ومع ذلك تولى الله _عز وجل_ رعايته، وعنايته،
وتاديبه؛ فكان ﷺ أكمل الخلق.
وعٌصِمَ من الفواحش ما ظهر منها وما بطن وذلك منذ ولادته أي من قبل البعثه
لم تُعرف له هفوة، ولم تُحص عليه فيها زلة، شب في عناية ورعاية وحفظ الله _عز
وجل،_ فكان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقًا، وأكرمهم حسبًا، وأعظمهم حلمًا،
وأبعدهم من الفحش والأخلاق الذميمة، كان راعيًا للخلائق أجمع واسع الصدر، حسن
الحيلة، طويل البال،معلمًا لكل البشر،حريصًا عليهم، لم يكن مهملًا ولا متهاونًا
يدافع عن كتاب الله ضد أي معتد فصلاةً وسلامًا يليقان بمقامة ﷺ.

تعليقات
إرسال تعليق