الهجرة النبوية والحدث الأعظم في تاريخ الإسلام

  



بقلم الواعظة / فاطمة أحمد حمزة البربري

منطقة وعظ الغربية.

كانت الهجرة النبوية ولا تزال الحدث الأعظم في تاريخ الإسلام والمسلمين؛ فهي انتصار للحق على الباطل، وهدم للشيطان مع كثرة تابعيه، وفيها نصرُ من الله عظيم،

لذلك اتخذها المسلمون بداية للتاريخ الهجري فقد تجسدت فيها كل معاني التضحية والإعداد الجيد والصدق وحسن التوكل على الله ورأينا فيها كيف كانت معية الله لرسولنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه في طريقه من مكة للمدينة المنورة، لذلك نجد على طربق الهجرة النبوية الكثير والكثير من اللمحات الإيمانية والعطايا الربانية التي ساعدت في اتمام الرحلة الشريفة ومنها:-

١- التأهيل المادي و النفسي:

لم تكن الهجرة النبوية فكرة جديدة أو حدثًا عابرًا، بل سبقتها هجرتان إلى الحبشة وتحدث عنها القرآن الكريم في أكثر من موضع

قال تعالى:- ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمنوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴾ [العنكبوت: 56] .


ومن المعلوم أن سورة العنكبوت من أواخر ما نزل من القرآن الكريم في مكة المكرمة وقد تحدثت عن الابتلاءات والصبر عليها ليعلم الله سبحانه وتعالى الصادق من الكاذب وليميز الخبيث من الطيب.

فبعث رسول الله ﷺ سيدنا مصعب بن عمير إلى يثرب بعد أن علم أهلها برسول الله ﷺ وبدعوته إلى الإسلام بعد أن بايعه نفر من أهلها في بيعة العقبة الأولى

فلما قدم سيدنا مصعب المدينة نزل على أسعد بن زرارة، وكان يأتي الأنصار في دُورهم أو قبائلهم فيدعوهم إلى الإسلام.

وزاد عدد المسلمين من الأنصار، وجاء منهم سبعون رجلا وامرأتان يبايعون رسول الله ﷺ في بيعة العقبة الثانية على السمع والطاعة وإعلاء كلمة الحق ونصرة الحبيب محمد ﷺ.

فلما تأكد النبي ﷺ أن الاستعداد لدى الأنصار قد بلغ كماله لاستقبال النبي وأصحابة؛ أذن للمسلمين بالهجرة إلى المدينة فرارا بدينهم من عذاب قريش وطغيان أهلها.



٢-أداء الأمانات إلى أهلها ولو كانوا من غير المسلمين:

ضرب لنا رسول الله ﷺ أروع الأمثلة في إعطاء الحقوق لأصحابها عندما أخبر سيدنا علي بن أبي طالب بموعد الهجرة وأمره أن ينتظر بمكه من أجل تسليم الودائع التي كانت عند النبي ﷺ للناس، فما كان من أحد من أهل مكه عنده شئ يخشى عليه إلا استودعه لرسول الله لمّا علموا بصدق حديثه وأمانته ﷺ

قال سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [النساء: 58].



٣-الصبر واليقين بالله من أسباب الوصول:

استغرقت الهجرة حوالي ثمانية أيام مليئة بالخوف والمشقة والألم على فراق أحب البلاد إلى الله عز وجل وأحبها إلى قلب النبي ﷺ ولكن يعلمنا رسولنا الكريم قيمة الصبر في تلك المواقف الصعبة وتحمل المتاعب والرضا بقضاء الله عز وجل، وهو صلوات ربي وسلامه عليه أحب الخلق إلى الله تعالى ومع ذلك استخدم كل المقومات البشرية التي تعينه على تنفيذ أمر الله عز وجل بالهجرة وقلبه قد ملأه اليقين فيما عند الله من فلاح وخير، بالرغم من المخاوف والصعاب التي تعرض لها في طريق هجرته، متحملا المكايد التي دبرتها له قريش وأصحابها مستخدما سلاح الصبر والثبات.


٤-معجزات على طريق الهجرة:

بالرغم من استخدام النبي ﷺ كل المقومات والوسائل التي تعينه على الهجرة إلى المدينة المنورة، إلا أن الله سبحانه وتعالى أيده ببعض المعجزات تأكيدا لصدق دعوته وتثبيتا لقلب النبي وصاحبه ومن هذه المعحزات:

-في غار ثور عندما اختبأ سيدنا رسول الله وصاحبه من قريش لمدة ثلاث ليال حتى يهدأ أصحاب مكه من البحث عن رشول الله ولكنهم بالفعل وصلوا إلى الغار وبالرغم من وقوفهم على باب الغار لم يتمكنوا من العثور فقدشملتهم معية الله وحفظه قال تعالى:-

«إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ»(التوبة: 40)

-وهذا سراقة بن مالك عندما أدرك رسول الله ﷺ وصاحبه بعد خروجهم من الغار وأراد أن يفشي أمرهما من أجل الحصول على مائة ناقة كانت قد جعلتها قريش لم يمسك بالنبي ﷺ، ولكن معية الله لرسولنا ﷺ قد حالت دون ذلك وبشره رسول الله ﷺ بِسوارى كسرى إذا احتفظ بأمرهما ولم يخبر قريش بما رأى.

وتحققت نبوءة النبي ﷺ في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما جاءته كنوز فارس.



٥- دور المرأة المسلمة في الهجرة النبوية

منذ زمن بعيد ودور المرأة في مساندة الرجل يظهر جليا اقتداءا بالسيدة هاجر عليها السلام التي كان النصيب من اسمها ملهما لها علامة على قبولها رأي زوجها سيدنا إبراهيم عليه السلام وذهبت معه إلى أرض جرداء لا زرع فيها ولا ماء متوكله على خالقها وإيمانها الشديد بأن الله لن يضيعها وعلى هذا الدرب سارت كل إمرأة تبتغي وجه الله وتفعل كل ما في وسعها من أجل نصرة الدين وإعلاء كلمة الحق جل وعلا،

وعندما أشار النبي ﷺ بالهجرة إلى الحبشة كانت النساء مع الرجال جنبا إلى جنب فارين بدينهم مواجهين تحديات الحياة، وصعوبات الطريق؛

وقد شهدت الهجرة النبوية على الدور الفعال الذي قامت به المرأة أما وبنتا واختا وزوجه

فهذه تكتم السر، وأخرى تجهز الطعام، وغيرها تصف لنا رسول الله ﷺ وصفا بليغا إزداد حسنا بجمال رسول الله، فعندما دخل رسول الله ﷺ خيمة أم معبد في طريق هجرته لم تبخل عليهم بطعام ولا شراب؛ فأكرمها المولى عز وجل بوصفها لرسول الله مثلما أكرمت رسول الله في بيتها.

وهذا إن دل فإنما يدل على أن الإسلام لم يهمل دور المرأة بل يعتمد عليها تكريما وتشريفا لها.

٦- بناء المسجد

حرص النبي ﷺ على بناء مسجد للمسلمين فور وصوله المدينة المنورة لتعليهم أمور دينهم وإدارة شؤنهم الاجتماعية والسياسية وهذا إن دلَّ فإنما يدل على أهمية المسجد وقيمته الأساسية في التعليم والالتزام بالحياة التي ينبغي على كل مسلم ان يعيشها بداية من اداء فريضة الصلاة إلى مدارسة العلوم الدينية ومجلس شورى في جميع الأمور.

وعلى الرغم من بساطة المسجد في بداية الأمر فقد كان فراشه الرمل، وسقفه الجريد، وأعمدته الجذوع؛ إلا أنه قد خرج منه صحابة رسول الله، وفاتحون البلاد ومعلمي الناس أحاديث النبي ﷺ وتعاليمه الدينية.



٧-المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار:

من الجدير بالذكر أن الحب في الله أحد أهم الدعائم الأساسية التي يقوم عليها نجاح المجتمع وتقدمه لما فيه من المودة والألفة والتعاون ونبذ العنف وهذا ما اهتم به رسول الله ﷺ عندما انتهى من بناء المسجد آخى بين المهاجرين والأنصار لتقوية العلاقات الاجتماعية فيما بينهم لتكوين اللبنة الأولى من المجتمع الإسلامي.

وقد تجسدت الأخوة في أعلى مقام وهذا ما قاله سيدنا عبد الرحمن بن عوف عندما آخى رسول الله ﷺ بينه وبين سيدنا

سعد بن الربيع ، فقال له سعد رضي الله عنه : إني أكثر الأنصار مالا فأقسم لك نصف مالي، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، فقال عبد الرحمن بن عوف : بارك الله لك في أهلك ومالك، لا حاجة لي في ذلك، ولكن دلني على السوق

ويحكي لنا القرآن الكريم عن ذلك يقول الله تعالى:{ وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }(الحشر:9)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ






تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بالأسماء تعرف على أوئل الشهادة الإبتدائية والإعدادية الأزهرية بالغربية

نموذج محاكاة الحياة النيابية والتشريعية فاعلية تثقيفية لطلاب أمانة وجه بحري بجامعة الأزهر

تكريم جودة التعليم بالغربية الأزهرية في الملتقى الرابع لقطاع المعاهد الأزهرية