حضارة صالحة لكل العالمين

 



د/ شيماء محمود عدلي    

 واعظ عام وعضو لجنة الفتوى    

 منطقة وعظ الشرقية


لم تكن الهجرة حدثاً تاريخيا، وانتقالا من مكة إلى المدينة المنورة، وإنما كانت صناعة للإنسان الجديد، الذي ينشر السعادة، ويحقق الإنجازات، وصياغة أهداف الحياة وفق محاور الأمن، والتعايش السلمي، وتخطي مصاعب الحياة، وتحقيق المواطنة، وزراعة الأمل في نفوس البائسين، وتأسيس لحضارة العلم في مجتمع الجاهلين.

فالهجرة النبوية صناعة لحياة إنسانية جديدة قادرة على تحدي الأزمات، من أجل إنشاء حضارة صالحة لكل العالمين، تقوم على أساس التعاون على البر والتقوى.

وإذا نظرنا إلى المسلمين قبل الهجرة، عندما ضاقت بهم السبل، فكر النبي - صلى الله  عليه وسلم – في الهجرة إلى الحبشة بعد أن عرف كل أحوالها، هاجر المسلمون إليها مؤقتاً.

وفكر النبي - صلى الله عليه وسلم – في مكان يصلح للدعوة، وعندما أسلم ستة من رجال الخزرج، وواعدوه بالدعوة، وفي عام الحج الثاني أسلم اثنا عشر رجلا، وعقد معهم بيعه العقبة الأولى، وأرسل معهم النبي- صلى الله عليه وسلم - مصعب بن عمير، وهو أول سفير للإسلام، أرسله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة المنورة؛ ليعلم الناس مباديء الإسلام، ويقرئهم القرآن، وهو قبل الهجرة شاب غني مترف، يمتلك المال والجاه، ولكنه يفتقد طريق السعادة والأمن النفسي، وبعد الإسلام وبعد الهجرة افتقد معظم المقومات المادية، إلا أنه بالمقومات النفسية والعقلية، وبالهدف الذي أراده من نشر الدعوة، فقد نجح في مهمته، فصار في المدينة يصنع حياة جديدة، وتحولت حياة الناس في المدينة المنورة بقدومه من شتات وتمزق، وبغض، وتناحر، إلى وحدة، وألفه، ومحبة ووئام، وبهذا فقد هيأ المدينة للهجرة إليها، وبعد عام عاد مصعب في موسم الحج، ومعه ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان، والتقوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وبايعوه بيعة العقبة الثانية، وبعدها أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بالهجرة إلى المدينة المنورة، وفيها أقاموا دولة الإسلام، وتم تأسيس وثيقة الأخوة الإنسانية التي تعد دستوراً ينظم حياة الناس داخل المدينة بصرف النظر عن عقيدتهم.

ومن هنا ندرك أن الإنسان من خلال إيمانه بالله ورسوله يعرف قيمته، ويحدد غايته، ويكون سبباً لإسعاد وإصلاح غيره، وذلك هو أساس بناء الحضارات.

قال تعالى: ﭽﯿ  ﰀ   ﰁ  ﰂ    ﰃ  ﰄ  ﰅ  ﰆ  ﭼ هود: ١١٧، لذلك كانت الهجرة حدثاً يؤدي بالإنسان إلى التغيير، بالنظر إلي مقوماته، وقدراته، ووضع خطة للاستفادة من الوقت، والأمور التي من الممكن التعامل معها، وقراءة الواقع ليصنع الأمل والحضارة.

إن الهجرة تجربة عملية تثبت أن النجاح يأت إذا جعلنا السلوك سابقا لدوافعنا، والسماح بتغيير اتجاهنا من وقت لآخر؛ حتى نصل إلى الوجهة الصحيحة.

وما أحوجنا اليوم إلى هجر وترك كل ما يعكر صفو الحياة، والإيمان بالقيم العليا للهجرة النبوية، والبحث عن سعادتنا، وذاتنا، والحفاظ على هويتنا، وتلك طاقة جديدة لبعث الأمل والقوة، فقد تحدث القرآن الكريم عن المهاجرين، وجعل جزاءهم جنات النعيم؛ لما حققوه من الأمن والسعادة في نفوسهم، ونفوس غيرهم،  .  


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بالأسماء تعرف على أوئل الشهادة الإبتدائية والإعدادية الأزهرية بالغربية

نموذج محاكاة الحياة النيابية والتشريعية فاعلية تثقيفية لطلاب أمانة وجه بحري بجامعة الأزهر

تكريم جودة التعليم بالغربية الأزهرية في الملتقى الرابع لقطاع المعاهد الأزهرية