سمية عبدالحليم تكتب:كيف نحيـــا دون قيـــود ؟




الحياة أمامنا حين نكون سعداء .. وتضيق حتى تكون كسَمِّ الخِياط حين نضيق نحن بها ذرعاً ، وحين نتلمسُّ خطانا فلا نكاد نراها لما يحيطنا من ظلماتٍ بعضها فوق بعض 

" إذا أخرج يده لم يكد يراهـــا " لكن هذه الظلمات نحن من صنعناهــا .. أجل .. هي مجموع السلاسل أو القيود التي نأسر بها أرواحنـــا ...

أول هذه السلاسل الماضي العصيب .. ذلك الماضي الذي مررنا به ومن أهواله صرنا لـــه أُسارى .. صرنا به مرتبطين فلا نملك حق الفكاك عنه والسير في الحياة بمنأىً عن أغلاله ومثبطاته وشخوصه .. ذلك الماضي الذي عشناه سنواتٍ طوالٍ حتى صرنا ـ رغماً عنا ـ نتشبث به ـ رغماً عنا ـ لا نستطيع التفكير إلا فيه .. وهو ماضٍ يتجدد بتجدد الأحداث وتوالي الحدثين .. إنه جزءٌ من تلك الظلمات التي تحيط بنا وتملؤنا حزناً ووساوسا وفكراً وتجعلنا ننظر إلى الواقع بعيونٍ زائغةٍ ونفكر بأذهانٍ حائرةٍ .. لا تستطيع التفكير بوضوح ولا تملك السير قدُماً إلى الأمام لتكوِّن مستقبلاً أفضل !

ومن تلك السلاسل : الناس وآراؤهم فينا .. أجل يا صديقي .. الناس قد يكونون هماً كبيراً إذا أعطينا الأمور أكبر من حجمها ...

إن المولى القدير قد كرَّم الإنسان ومنع عنه الأذى حين منعنا من إيذاء بعضنا البعض وجعل من مقاصد الشريعة حماية العِرض وحرم الغيبة والنميمة والغل والحقد والحسد وغيره من كل ما يفسد المجتمع ويباعد بين أفراده " يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم " الحجرات : 11 وقال سبحانه مؤلفاً القلوب " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليمٌ خبيرٌ "

                                                                  الحجرات : 13

على كل الأيادي والألسنة الممتدة بالأذى أن تقف عند حدها ... الناس هم أهلونا وأقاربنا وذوونا وإخواننا بل أزواجنا وأبناؤنا ... لكنْ لحظة ..

لتُعطِ كل ذي حقٍ حقه .. ولتمنع كل الناس من الاقتراب من ذاتك .. تلك الذات الكريمة .. تلك الذات البشرية الفاضلة التي فضَّلـــك الله بها على سائر الكائنات ...

ليلزموا حدودهم معك والتلزم حدودك معهم .. فكلٌ له حقوقه وعليه واجباته .. كلٌ له خصوصياته التي لا يمكن بحالٍ من الأحوال المِساسُ بها أو الاقتراب من حدودهـــا ..

أنت إنسان بعقلك الذي لا يمكن اختراقــــه .. أنت إنسان بقلبك الذي لا يمكن لأحدٍ أن يعرف أسراره .. أنت إنسانٌ بروحك التي تتصل بخالقها وبالعوالم ولا يمكن لأحدٍ أن يكتنف غموضهـا !

أنت ذاتٌ ساميةٌ .. ذاتٌ راقية .. فلتعرف لنفسك حقها ولتحافظ عليها من أي غير .. فهذا يحفظ إنسانيتك ويرقيها لتكون كما أرادها الخالق جلَّ وعلا ..

ومن السلاسل التي تقيد إنسانيتنا خوفنا من المستقبل .. ومن أهم ما يمكن أن يفسد عليك مستقبلك عدم قدرتك على التعلق الجاد بهذا المستقبل أي بمعنى أنك لا تدرك أنك متى شئت أن يتحقق هذا المستقبل فسيتحقق حتماً .. سوف تتعجب وتسأل : وهل أملك المستقبل؟ إنما يملكه الله عزوجل .. وأجيبك : أنت تملك ثلاثة أشياء هي أساس تغيير الحاضر وتحقيق الأحلام أو المستقبل ..

الشيء الأول هو الأخذ بالأسباب ، وقد يسر الخالق لك الأسباب .. لأنك مخوَّلٌ بالسعي في الأرض .. " هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور " الملك : 15 

الشيء الثاني هو التوكل على الله والعمل بمبدأ التقوى " ومن يتقِ الله يجعل له مخرجاً ، ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره " :

                                                                   الطلاق : 2 ، 3

الشيء الثالث والأخير هو الثقة في الله وحسن الظن به ؛ ففي الحديث القدسي :

" أنا عند ظن عبدي بي ، فليظن بي مـــا شــــاء " .

فإذا أخلفك القدر ما كنت تشتهيه فاعلم وتيقن أنه ليس لك بخير وثق بالله تعالى على كل حال... وتيقن أن الحياة لم تعطك أفضل ما عندها بعد ، تيقن أن الله معك على أي حال :

" وما كان الله ليضيع إيمانكم " البقرة 143

{ إن العمر ماضٍ بتقدير الله إلى نهايته ، وما الحياة الدنيا إلا اختبار سنواجه فيه آلاف المعارك والجولات ، والعاقل من يستخدم أكبر نعم الله عليه ليعيش أيامه وزمانه بأفضل مستطاع ، ويرتقي بفكره لواقعية أن الهدف ليس الانتصار في كل معارك الحياة ؛ لأن الدنيا دار اختبار وابتلاء } ( د / حسن المزين : 10 معارك في الحياة لا يجب أن تخسرها : تشكيل للنشر والتوزيع ـ ط 2023 م ) .

                    

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بالأسماء تعرف على أوئل الشهادة الإبتدائية والإعدادية الأزهرية بالغربية

نموذج محاكاة الحياة النيابية والتشريعية فاعلية تثقيفية لطلاب أمانة وجه بحري بجامعة الأزهر

تكريم جودة التعليم بالغربية الأزهرية في الملتقى الرابع لقطاع المعاهد الأزهرية