ا.د ابراهيم حسينى درويش يكتب: التضحية… حين يسمو الإنسان ليحيا الآخرون
...
ليست التضحية مجرد فعل عابر أو اندفاع عاطفي مؤقت، بل هي قيمة إنسانية عميقة، وركيزة أخلاقية كبرى، وسُنّة من سنن العمران البشري. فحيثما وُجدت حياة مستقرة، وأسرة متماسكة، ومجتمع قادر على النهوض، ووطن آمن مزدهر، ستجد في الجذور بذور تضحية صادقة، قُدِّمت بدافع الحب والرضا، ومن أجل قيمة أغلى وأبقى من الذات.
أولاً: مفهوم التضحية… بين الإيثار والاختيار الواعي
--------------------------------------------
التضحية في جوهرها لونٌ راقٍ من ألوان الإيثار، لكنها لا تعني إلغاء النفس أو إهدار الكرامة، بل تعني تقديم بعض المصالح الخاصة طواعيةً، من أجل مصلحة أسمى، أو قيمة أعلى، أو هدف أنبل. وهي تختلف عن القهر أو الإكراه، لأنها تنبع من داخل الإنسان، وتصدر عن قناعة ورضا.
وقد ربط الإسلام بين التضحية والإيمان، فجعل الإيثار علامة من علامات صدق القلوب، فقال تعالى في وصف الأنصار:﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].فالإيثار هنا ليس ترفًا أخلاقيًا، بل سلوكًا عمليًا يُقدِّم حاجة الغير، رغم وجود الحاجة الذاتية.
ثانيًا: التضحية في البناء الأسري… أساس المودة والاستقرار..
--------------------------------------------
الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى التضحية. فلا زواج يستقر بلا تنازل، ولا بيت يدوم بلا صبر، ولا تربية ناجحة بلا بذل.
تضحية الزوج والزوجة:
حين يتنازل الزوج عن بعض راحته ليؤمِّن سعادة أسرته، وحين تتحمل الزوجة أعباء الحياة وتقلباتها بدافع الحب لا الإكراه، فإننا أمام تضحية واعية، تحفظ البيوت من الانهيار. وقد عبّر القرآن عن هذه العلاقة بأسمى تعبير:﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
والمودة والرحمة لا تقومان إلا على استعدادٍ دائم للبذل.
تضحية الوالدين:
الأب الذي يسهر ليؤمِّن لقمة العيش، والأم التي تفني صحتها في الرعاية والتربية، كلاهما يقدِّم نموذجًا عمليًا لمعنى التضحية. ولهذا عظَّم الإسلام حق الوالدين، وربطه بالإحسان والبر، فقال تعالى:﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23].
ثالثًا: التضحية في المجتمع… وقود الاستقرار واستدامة الأرزاق
--------------------------------------------
لا تقوم المؤسسات، ولا تستمر الأعمال، ولا تزدهر المجتمعات، إلا إذا سادت ثقافة التضحية من أجل المصلحة العامة. فالعامل المخلص، والطبيب الأمين، والمعلم الصادق، والموظف الذي يتقن عمله، جميعهم يضحون بجزء من راحتهم في سبيل أداء رسالة.
وقد قرر النبي ﷺ هذا المعنى حين قال:«إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه».فالإتقان هنا صورة من صور التضحية، لأن الإنسان يبذل جهدًا إضافيًا دون انتظار مقابل مباشر.
كما أن العمل الجماعي لا ينجح إذا طغت الأنانية، بل يحتاج إلى نفوس قادرة على تقديم “نحن” على “أنا”، خاصة في أوقات الأزمات.
رابعًا: التضحية في سبيل الوطن… أعلى مراتب البذل
--------------------------------------------
حين نرتقي إلى مستوى الوطن، تصبح التضحية واجبًا وطنيًا وشرعيًا. فالأمن، والتنمية، والنهضة، لا تُمنح مجانًا، بل تُنتزع بثمن، وهذا الثمن غالبًا ما يكون من دماء الشرفاء، وجهود المخلصين، وصبر العاملين.
وقد عبَّر القرآن عن هذه السنة الكونية في قوله تعالى:﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251].
خامسًا: الوقوف مع الآية… فهم المعنى ودلالات الكلمات
--------------------------------------------
هذه الآية الكريمة تُقرِّر قانونًا ربانيًا ثابتًا، وهو أن الحياة لا تستقيم إلا بوجود من يدفع الفساد، ويقاوم الظلم، ويحمي القيم.
دلالات الآية:(دفع الله الناس بعضهم ببعض):
أي أن الله يهيئ في كل زمان ومكان من يقوم بدفع العدوان، وكبح الطغيان، وحماية الحق، سواء بالقوة أو بالفكرة أو بالموقف.
(لفسدت الأرض):أي لعمّ الفساد في الدين والأخلاق والأمن والمعاش، ولانهارت القيم، وضاعت الحقوق.
وهذا الدفع لا يكون إلا بتضحيات، قد تكون بالمال، أو الوقت، أو الجهد، أو حتى بالنفس، كما قال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111].
سادسًا: أنواع “الدفع” في حياة الناس..
--------------------------------------------
١- دفع بالعلم والفكر:وذلك عبر العلماء والمصلحين الذين يضحون بوقتهم وجهدهم لنشر الوعي، ومحاربة الجهل والتطرف
٢- دفع بالعمل والإنتاج:عن طريق العاملين والمبدعين الذين يبنون الاقتصاد ويحفظون استدامة الأرزاق.
٣- دفع بالقيم والأخلاق:من خلال القدوة الحسنة، والكلمة الصادقة، والموقف الشريف.
٤- دفع بالتضحية والفداء:حين يصل الخطر إلى حد تهديد الأوطان، فيقف الجنود والأبطال سُدًّا منيعًا، مقدمين أرواحهم رخيصة في سبيل أمن البلاد.
سابعًا: الدروس المستفادة من الآية الكريمة
--------------------------------------------
١- أن التضحية ليست خيارًا هامشيًا، بل ضرورة لبقاء الحياة.
أن الأنانية طريق سريع للفساد والانهيار.
٢- أن الله يُجري سننه بأيدي البشر، ويختار من عباده من يحملون أمانة الدفع والإصلاح..
٣- أن المجتمعات التي تفقد روح التضحية، تفقد قدرتها على الصمود.
ثامنًا: قيم نحتاج إلى ترسيخها اليوم..
----------------------------------------
في زمن طغت فيه الفردانية، وتراجعت فيه القيم الجماعية، نحن في أمسّ الحاجة إلى إعادة إحياء:
قيمة الإيثار داخل الأسرة.وقيمة المسؤولية داخل المؤسسات.وقيمة الانتماء داخل الوطن.وقيمة العطاء دون انتظار مقابل.
قال رسول الله ﷺ:«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
ختاما : التضحية… طريق البقاء والسمو..
--------------------------------------------
التضحية ليست خسارة، بل استثمار في الإنسان والحياة. وهي ليست ضعفًا، بل قمة القوة الأخلاقية. وبقدر ما نُعيد لهذه القيمة حضورها في بيوتنا، ومؤسساتنا، ومجتمعاتنا، وأوطاننا، بقدر ما نضمن استدامة الحياة، وصيانة الكرامة، وتحقيق النهضة.
اللهم ازرع في قلوبنا حب العطاء، وصدق التضحية، ونقاء النية، واجعلنا ممن يدفعون الفساد بالخير، والظلم بالعدل، واليأس بالأمل، واحفظ أوطاننا وأهلنا، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر… إنك وليّ ذلك والقادر عليه

تعليقات
إرسال تعليق