أ.د إبراهيم حسيني درويش يكتب :دعوة هادئة لمصالحة القلب
أحيانًا، لا نحتاج إلى صوتٍ مرتفع، ولا إلى موعظةٍ طويلة تُلقى من فوق المنابر، بقدر ما نحتاج إلى لحظة صدق.
لحظة هادئة نقف فيها أمام أنفسنا بلا تبرير ولا تجميل، ونسأل سؤالًا بسيطًا في كلماته، عميقًا في أثره:
هل ما أعيشه اليوم يقرّبني حقًا من الله، أم أنه مجرد انشغال يملأ الوقت ويترك القلب فارغًا؟
نعيش زمنًا سريع الإيقاع، مزدحمًا بالحركة، تتراكم فيه المسؤوليات والالتزامات، حتى نظن أننا نتقدم، بينما القلوب قد تكون ثابتة في مكانها، أو مرهقة من كثرة الانشغال وقلة المعنى.
وهنا لا تكون المشكلة في كثرة العمل، بل في غياب البوصلة: لماذا نعمل؟ ولمن؟ وإلى أين نمضي؟
الصدق مع النفس… عبادة منسية
---------------------------------
الصدق مع النفس ليس قسوة، ولا جلدًا للذات، بل هو أول طريق الإصلاح.
وقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة بوضوح حين قال تعالى:﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(القيامة: 14).
فالإنسان يعرف في داخله مواطن التقصير، ويشعر متى كان قريبًا من الله ومتى ابتعد.
فالانسان عندما يكون فى طاعة يشعر انه اقترب وفى معية الله.. وعندما يكون مقصر فى العبادة او على معصية يشعر انه ابتعد عن ربه ..وهذا يحزنه..
لكننا كثيرًا ما نهرب من هذه المواجهة، خوفًا من التغيير، أو تكاسلًا عن دفع ثمنه.
ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوها قبل أن تُوزَنوا"،
وهي كلمة قصيرة تختصر طريق النجاة كله.
ومع اقتراب شهر رمضان المبارك، تزداد الحاجة إلى هذه الوقفة الصادقة؛فرمضان لا يأتي ليضيف عبئًا جديدًا، بل ليخفف عن القلوب أثقالها، ويعيد ترتيب الأولويات، ويمنح النفس فرصة بداية جديدة.
لسنا متأخرين… ورحمة الله أوسع
--------------------------------
من أكثر ما يُرهق القلوب شعور الإنسان بأنه تأخر كثيرًا، أو أن فرص الإصلاح ضاعت، أو أن الله لن يقبله بعد كل ما كان.
وهذا الشعور، في حقيقته، يتعارض مع جوهر الإيمان.يقول الله تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ (الزمر: 53).
ويقول النبي ﷺ في حديث يفتح أبواب الأمل على مصراعيها:«لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة…» (متفق عليه).
أي ربٍّ هذا الذي يفرح بعودة عبده مهما طال غيابه؟وأي باب يُغلق، وربنا يقول في الحديث القدسي:
«يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني، غفرت لك ولا أبالي» (رواه الترمذي).
لسنا متأخرين كما نظن، ولا الطريق مسدودًا كما نخاف،إنما الذي يحتاج إلى استراحة حقيقية هو القلب… لا الأمل.
القلوب تُرهق… لكنها لا تموت..
---------------------------------
التعب القلبي ليس علامة فساد، بل قد يكون دليل حياة.فالقلوب الحيّة هي التي تشعر، وتحنّ، وتتألم إذا ابتعدت.
قال الحسن البصري رحمه الله:
"ما ضُرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب".
لكن بين قسوة القلب وإرهاقه فرقًا كبيرًا؛فالقلب المرهق يحتاج إلى رحمة، لا إلى مزيد من القسوة على النفس،ويحتاج إلى الاقتراب من الله، لا إلى الهروب منه.
قال تعالى:﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ (الذاريات: 50).فإن تعبت… فاقترب.وإن أثقلتك الذنوب… فالباب الذي تطرقه هو باب الله نفسه.
رمضان… شهر العودة لا الادّعاء
---------------------------------
رمضان ليس شهر المثاليين، ولا موسم استعراض الطاعات،
بل هو شهر العائدين بقلوبهم قبل أعمالهم.
فيه تُفتح أبواب الجنة، وتُغلق أبواب النار، وتُصفّد الشياطين،
وكأن الله يقول لعباده: الطريق ممهّد، فهلمّوا.قال النبي ﷺ:
«إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة، وغُلقت أبواب النار، وصُفدت الشياطين» (متفق عليه).
فالاستعداد الحقيقي لرمضان لا يكون فقط بتغيير مواعيد الطعام والنوم،بل بتغيير اتجاه القلب.
أن نسأل أنفسنا بصدق:
ما الذنب الذي أريد أن أتركه؟
ما العبادة التي اشتقت إليها وغابت عني؟وما العلاقة التي تحتاج إلى إصلاح؟وما العادة التي ملأت وقتي وأفرغت قلبي؟
قال ﷺ:«من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه» (متفق عليه).و"إيمانًا واحتسابًا" ليست كلمات تُقال، بل نية صادقة، وحضور قلب، ورجاء فيما عند الله.
الطمأنينة… أقرب مما نتصور..
---------------------------------
كثيرون يظنون أن الطمأنينة تُنال بكثرة الإنجاز، أو برضا الناس، أو بالانغماس في المشاغل،
لكن الطمأنينة الحقيقية لها باب واحد.قال الله تعالى:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).هي ليست بعيدة ولا معقدة،بل في سجدة صادقة،
وفي دعاء خرج من قلب منكسر،
وفي دمعة خفية لا يراها إلا الله.
قال بعض السلف:"لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من لذة القرب، لجالدونا عليها بالسيوف".
رسالة هادئة قبل رمضان
وأنت تستقبل رمضان، لا تُحمّل نفسك ما لا تطيق،ولا تشترط على نفسك الكمال،لكن اشترط الصدق.
اقترب خطوة، والله يأتيك خطوات.ارجع بنية، والله يفتح لك أبوابًا.قال النبي ﷺ:«احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» (رواه مسلم).
ختامًا
-------------------------------
رمضان فرصة،لا لتغيير كل شيء دفعة واحدة،بل لتغيير الاتجاه:
من الغفلة إلى الذكر،ومن الانشغال إلى المعنى،ومن التعب إلى الطمأنينة.فإن تعبت… فاقترب.
وإن ضعت… فارجع.
فالطريق إلى الله لا يُغلق،والقلب متى صدق… وصل.
اللهم بلغنا شهر رمضان،وطهّر قلوبنا من الغفلة،وأنر بصائرنا بالهداية،وافتح لنا أبواب القرب والقبول،وأعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك،ولا تجعلنا من المحرومين،واجعل رمضان هذا بداية صلاح، لا نهاية موسم.
آمين.
---------------------------------

تعليقات
إرسال تعليق