تأيد رباني



في لحظاتٍ سال فيها مدادُ التوفيق الإلهي على صحائف التاريخ، وتفتّحت بها أبواب النصر لمن صدقوا الله ما عاهدوا، كان السادس من أكتوبر العاشر من رمضان شاهدًا على أن العزّة هبةٌ من الرحمن، لا تُنال إلا باليقين والعمل والأخذ بالأسباب، وهناك حيث امتزجت صيحات (الله أكبر) بصوت البارود فتجلّ التأيد الرباني، فصار النصر آيةً خالدة تُتلى على مرّ الزمان.

فقد كانت هناك مدافع مصرية تصوب نيرانها نحو حصون العدو، فتصيب بقدَر الله أهم مراكز العدو فتقوم بإعاقتها وتشويشها، وهنا تجلت الآية العظمى: {وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} [الأنفال: ١٧]، فالله الذي يعلم الغيب قدّر أن تسقط القذائف حيث يشاء؛ ليهلك العدو بما كان يعدّ من قوة، وكما قال توفيق الحكيم: "ما كان عبورنا إلا هبة الروح التي أيقظها الله في الأمة، فعبرت الأرواح والقلوب قبل المدافع والجنود" 

ومن أعظم صور التوفيق أن اجتمعت القلوب على كلمة سواء."الله أكبر". جيش وشعب، مسلمون ومسيحيون، موحدين الصفوف، حتى صدق فيهم قول سيد الخلق – صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ (صحيح البخاري).

وقد كانت صيحات الجنود أعلى من أصوات المدافع؛ لأنها صادرة عن يقين بأن النصر من عند الله، وهنا يشرق الكثير والكثير من الأصوات المشجعة والدافعة فها هو الإمام الشعراوي وهو يخاطب الجنود على الجبهة: "أنا ومهمتي وأنتم ومهمتكم، نلتقي في أننا جميعًا جنود الحق أنا بالحرف وأنتم بالسيف، وأنا بالكتاب وأنتم بالكتائب، وأنا باللسان وأنتم بالسنان"، إنها كلمات أيقظت في النفوس يقين النصر وثبات القلوب.

ففي هذا الحين دوّت صيحات (الله أكبر) مع انطلاق العبور ولم تكن مجرد هتافات، بل كانت سهامًا معنوية خرقت قلوب العدو وألقت فيها الرعب، كما قال تعالى: {لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ} "الحشر: ١٣".

وبالفعل جاء التأيد الرباني ليطوي صفحة الهزيمة وينسخ اليأس بالرجاء، وليحقق وعد الله حين قال:  {فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا * إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرٗا} [الشرح: ٥-٦]، فتحولت دموع الانكسار في ١٩٦٧ إلى دماء عزّة في ١٩٧٣، فعادت الأمة إلى رشدها، واسترد المقاتل ثقته بنفسه وقادته، وتبدد ظلام اليأس بنور الأمل،وفرحت القلوب وأدمعت العيون واستردت الأرض.

وكل هذا بعد أن اجتمع التخطيط العسكري مع قوة الدعاء، والجهد البشري مع مدد السماء من المولى المعين، فتحقق وعد الله حين قال:  {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ} [محمد: ٧].

وهكذا صار نصر أكتوبر شاهدًا على أن الأمة إذا صدقت مع الله صدقها الله، وإذا أخذت بالأسباب بارك الله لها وأيّدها بروح من عنده سبحانه وتعالى.

كتبه الواعظة/ نعمة محمد مصطفى الشنشوري 

منطقة وعظ جنوب سيناء

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بالأسماء تعرف على أوئل الشهادة الإبتدائية والإعدادية الأزهرية بالغربية

نموذج محاكاة الحياة النيابية والتشريعية فاعلية تثقيفية لطلاب أمانة وجه بحري بجامعة الأزهر

تكريم جودة التعليم بالغربية الأزهرية في الملتقى الرابع لقطاع المعاهد الأزهرية