الوطن بِرٌ وبُورٌ

 


إن حب الأوطان ليس مجرد شعور عابر، أو قصيدة تُلقى في المناسبات، بل هو عقيدة راسخة تضرب بجذورها في أعماق الفطرة الإنسانية والسنة النبوية. فالوطن هو المستقر، وهو الحضن الذي نبتت فيه الأجساد واغتذت منه الأرواح، والتعامل معه يتأرجح بين قيمتين لا ثالث لهما: إما "برٌّ" يرفعه إلى عنان السماء، أو "بورٌ" يهوي به إلى قاع الضياع. وكما قال الشاعر أحمد شوقي مؤكداً على قدسية هذا الرباط:

وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ .. يَدٌ سَلَفَت وَدَينٌ مُستَحِقُّ

حب الوطن.. فطرةٌ سنَّها الأنبياء

فلم يكن خروج النبي ﷺ من مكة مجرد رحيل مكاني، بل كان درساً بليغاً في الانتماء؛ حين وقف على مشارفها وقال بقلبٍ يملؤه الحنين: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت". هذا النص النبوي يرسخ مبدأً شرعياً: أن حب الوطن عبادة، وأن الوفاء لترابه هو عين البر.

وقد اقترن حب الديار في القرآن الكريم بحب النفس في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} [النساء: 66]، فجعل الخروج من الديار (الوطن) مساوياً لقتل النفس، وهذا أقصى درجات الارتباط.

بل يمكن أن نقول إن "البر بالوطن" يشبه إلى حد بعيد بر الوالدين؛ فكما أن البر بالوالدين يكون بالطاعة والإحسان والرعاية، فإن البر بالوطن يكون بالإخلاص في العمل، والحفاظ على مقدراته، والذود عن حياضه.

فالمواطن البار هو الذي يمتثل لأمر الله في عمارة الأرض قال تعالى: {هُوَ أَنشأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]، أي طلب منكم عماراتها وبناءها.

والإخلاص للوطن كفعل بر فكل يد تبني، وكل عقل يفكر لمصلحة الجماعة، هو "بارٌّ" بوطنه. وكما يقول الشاعر ابن الرومي في تفسير هذا العشق للتراب:

وحبَّبَ أوطانَ الرجالِ إِليهمُ .. مآربُ قضاها الشبابُ هنالكا

إِذا ذكروا أوطانهم ذكَّرتهمُ .. عهودَ الصِّبا فيها فحنُّوا لذلِكا

أما عن البور.. فهو حين تصبح القلوب صحاري

و الأرض البور هي الأرض التي لا زرع فيها ولا حياة، والوطن الذي يهجره أبناؤه وجدانياً، أو ينشرون فيه روح اليأس والكراهية، يتحول تدريجياً إلى "بور".

إن كراهية الوطن أو السعي في خرابه هو "عقوق" صريح، وقد حذر الدين من الإفساد في الأرض بعد إصلاحها. فمن استهان بتراب أرضه، هان عليه عرضُه وتاريخه. إن النفوس التي تحمل البغض لأوطانها هي نفوسٌ "بائرة"، لا تثمر خيراً لنفسها ولا لغيرها، وتتحول إلى معول هدم بدلاً من أن تكون يد بناء، مصداقاً لقوله تعالى في وصف الفساد: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205].

افوالله إن الوطن أمانة في أعناقنا

وإن المعادلة واضحة وصريحة فببرّنا يزهر الوطن، وبجفائنا يبور. 

نحن من نختار شكل الغد؛ فإما أن نروي ترابنا بوفائنا وعملنا ليكون بستاناً للأجيال القادمة، وإما أن نتركه للعواصف فتذروه كأرضٍ بوار لا تنبت إلا الشوك.

ليكن شعارنا دائماً ما قاله مصطفى كامل: "لو لم أكن مصرياً لوددت أن أكون مصرياً"، ولنعلم أن برَّ الوطن فريضة، والعمل لأجله هو أسمى القربات التي يتقرب بها العبد لربه بعد أداء فرائضه فاللهم اجعلنا بارين بمصر واجعلها يارب مزدهرة مباركة واحفطها وجيشها وشعبها من كل كاره ومكروه

أميرة سيد يونس

وعظ الجيزة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بالأسماء تعرف على أوئل الشهادة الإبتدائية والإعدادية الأزهرية بالغربية

نموذج محاكاة الحياة النيابية والتشريعية فاعلية تثقيفية لطلاب أمانة وجه بحري بجامعة الأزهر

تكريم جودة التعليم بالغربية الأزهرية في الملتقى الرابع لقطاع المعاهد الأزهرية