ردوا الفتاوى إلى أهلها



قال أحد الحكماء وأهل الحديث: "من قال لا أعلم فقد أفتى " وذلك للتشديد على أهمية وأمانة الفتوى، ولكن ما يحصل الآن خلاف ذلك فقد تفشت ظاهرة الإفتاء على الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، فلقد أفتى كل من ليس له صلة بعلم الإفتاء وليس من أهلها بحجة أنه يساعد الناس عند السؤال؛ وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم.

 

إن الفتوى علم خاص بأهل الفقه المتخصصون لذلك والذين يتوافر فيهم شروط الإفتاء وحمل أمانة الفتوى. فليس كل من قرأ كتابًا أو قرأ حكمًا على أحد المواقع هو أهل لنقل الفتوى.

ولقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الفتوى بغير علم، فعن أبي هُريرةَ رضِيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: قال: "مَن أُفتِيَ بفُتْيا غيرِ ثَبَتٍ، فإنَّما إثمُه على مَن أَفْتاه"،ابن ماجه. ولقد كان السلف الصالح أشد الناس خوفا من التسرع  والتجرؤ على الإفتاء، فلقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: "من أفتى الناس في كل ما يستفتونه فهو مجنون". وكان مالك رحمه الله يقول: "من أجاب في مسألة، فينبغي من قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة".فيا من تفتي الناس بغير علم ولا تأهيل بغرض فرض الآراء على الناس أو ضلالهم ؛ هل فكرت في عاقبة ذلك؟

 

عجبًا لبعض الأشخاص ممن ينشرون أحد الآراء لبعض الأئمة ويخفون الرأي الآخر للأئمة لفرض رأيهم ، بل ويضيفون آرائهم على هذا المسألة بقولهم:( من يعمل خلاف ذلك فهذا من البدعة والضلال)، وإذا حاورهم أحد وبين الرأي الصحيح لهذه المسألة اتهموه بمخالفة النبي وهديه؛ وكأنهم هم العلماء وغيرهم الجاهلون. عجبًا هل انقلبت الأدوار أم ماذا يحدث؟

 

أيها الناس: احذروا الإفتاء فوالله إنها كلمة تخرج من صاحبها فتلقي به في الجنة أو النار. من أين لكم هذه الجرأة على إعطاء الفتاوى؟ تأملوا في سيرة الإمام مالك الذي قال عنه الإمام الشّافعى: عندما يُذكر العلماء يكون الإمام مالك نجمًا بينهم، ورغم ذلك عندما سئل مالك عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة، فغضب، وقال: ليس في العلم شيء خفيف، ألم تسمع قوله جل ثناؤه: "إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا".

 

كان الإمام مالك شديدًا جدًّا في تأكّده من علمه في الفتوى، ودقيقًا جدًّا في صحّتها، وإذا لم يكن مُتأكّدًا من مسألة ما، لم يكن ليجرؤ على الحديث فيها، فعن عبدالرحمن بن مهدي قال: «كنا عند مالك بن أنس، فجاء رجل فقال: يا أبا عبدالله، جئتك من مسيرة ستة أشهر، حمّلنى أهل بلدي مسألة أسألك عنها، قال: فسل، فسأله الرجل عن مسألة، قال: لا أحسنها، قال: فبُهت الرجل، كأنه قد جاء إلى مَن يعلم كل شيء، قال، فقال: فأى شيء أقول لأهل بلدي إذا رجعت لهم؟ قال: تقول لهم: قال مالك: لا أحسن». ويقول الإمام مالك عن نفسه إنّه لم يجلس لإعطاء فتوى قبل أن يجيزه عليها لأوّل مرّة سبعون عالمًا من المدينة. فأين الناس الآن من ذلك؟

 

واخيرًا أقول لكل من يحتاج للسؤال في الدين : تخيروا بارك الله فيكم فليس كل الناس أهلًا للإفتاء و اسألوا أهل الذكر لعلكم تعلمون.

 

الواعظة شيماء السيد السيد أحمد

واعظة بمجمع البحوث الإسلامية.

محافظة القليوبية.

 

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بالأسماء تعرف على أوئل الشهادة الإبتدائية والإعدادية الأزهرية بالغربية

نموذج محاكاة الحياة النيابية والتشريعية فاعلية تثقيفية لطلاب أمانة وجه بحري بجامعة الأزهر

تكريم جودة التعليم بالغربية الأزهرية في الملتقى الرابع لقطاع المعاهد الأزهرية