اللواء سامي دنيا يكتب: إيقاظات تهز القلوب وتوقظ الأرواح

 



في زحام الحياة، وبين صخب الدنيا وانشغالاتها، يحتاج الإنسان من حين لآخر إلى وقفات صادقة مع نفسه، وإلى كلمات تلامس القلب فتوقظ الضمير، وتجدد الإيمان، وتعيد ترتيب الأولويات. فليست العبرة بطول الأعمار، وإنما بحسن الأعمال، وليست السعادة بكثرة ما نملك، بل بما نقدمه لأنفسنا من زاد ينفعنا يوم لا ينفع مال ولا بنون.

ومن أولى هذه الإيقاظات أن يدرك الإنسان قيمة الدمعة الصادقة التي تخرج من عين خاشعة خوفًا من الله، فمهما اتسعت بحار الدنيا ومهما اجتمعت مياهها، فإنها لا تستطيع أن تطفئ جمرة صغيرة من نار جهنم، بينما قد تكون دمعة صادقة سببًا في النجاة من تلك النار. إنها ليست دمعة ضعف، بل دمعة إيمان تنبع من قلب عرف ربه، وخشي حسابه، وأدرك أن رحمة الله أوسع من الذنوب، وأن باب التوبة مفتوح أمام التائبين.

وتزداد هذه الدموع جمالًا وعظمة حين تقترن بخشوع القلب وانكساره بين يدي الله، فتسكن الجوارح، وتلين النفوس، وتبدأ رحلة العودة إلى طريق الطاعة والهداية. فالخشوع ليس مجرد دموع تنهمر، بل هو حياة تدب في القلب، وصدق في التوجه إلى الله، وإقبال عليه سبحانه بقلب خاضع ونفس مطمئنة.

ومن الإيقاظات المهمة أن يجمع الإنسان حسناته كما يجمع أنفاسه، فكل نفس يخرج من صدره يقربه من نهاية رحلته في الدنيا، أما الحسنات فهي الباقية التي ترافقه إلى الآخرة. لذلك ينبغي أن يحرص على الكلمة الطيبة، والصدقة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الناس، فرب حسنة صغيرة ترفع صاحبها درجات عظيمة عند الله. والإنسان أحوج إلى حسناته من حاجته إلى أنفاسه، فالأنفاس راحلة، أما الأعمال الصالحة فباقية لا تضيع عند الله.

والسعيد حقًا ليس من عاش طويلًا أو جمع كثيرًا من متاع الدنيا، وإنما من إذا توقفت أنفاسه لم تتوقف حسناته. فكم من إنسان رحل عن الدنيا وما زالت صدقاته الجارية، وعلمه النافع، وتربيته الصالحة، ودعوات الناس له ترفع درجاته وتزيد من ميزان حسناته. إنها السعادة الحقيقية التي تمتد إلى ما بعد الرحيل.

كما أن من أعظم الإيقاظات أن يحرص الإنسان على ترك أثر جميل قبل أن يغادر هذه الدنيا، فهي ظل زائل ومحطة عابرة، ولسنا فيها إلا مسافرين. وما يبقى بعد الرحيل ليس الأموال ولا المناصب، وإنما الأثر الطيب والذكر الحسن. فازرع خيرًا، واصنع معروفًا، وانشر علمًا، وأدخل السرور على القلوب، وأصلح بين الناس، واترك خلفك ما يحيي ذكرك ويكون شاهدًا لك لا عليك.

ومن أجمل الإيقاظات أيضًا أن يدرك الإنسان نقصه، فالكمال الحقيقي أن يعرف عيوبه، وأن يدرك أنه مهما بلغ من العلم أو المكانة أو النجاح، فإنه يظل محتاجًا إلى رحمة الله، وإلى المزيد من التعلم والإصلاح. أما من ظن أنه بلغ الكمال فقد وقع في أعظم أوجه النقص، لأن التواضع رفعة، ومحاسبة النفس طريق الصالحين، والاعتراف بالتقصير بداية الوصول.

وتبقى الوصية الدائمة أن نتمنى الخير، وندعو الله بيقين، ونبتسم في وجوه الناس، ونتوكل على الكريم سبحانه، فإن خزائنه لا تنفد ورحمته وسعت كل شيء. وكن جميلًا بأخلاقك، جميلًا بعفوك، جميلًا بتواضعك، جميلًا بابتسامتك، فرب ابتسامة صادقة تداوي قلبًا حزينًا، ورب كلمة طيبة تفتح باب أمل لإنسان أثقلته الحياة.

فما أقصر الدنيا، وما أسرع الرحيل، وما أجمل أن نلقى الله بقلوب سليمة، وأعمال صالحة، وآثار طيبة تبقى بعد أن تغيب الأجسام وتفنى الأعمار.

وصلوا على الحبيب المصطفى ﷺ.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تكريم جودة التعليم بالغربية الأزهرية في الملتقى الرابع لقطاع المعاهد الأزهرية

نموذج محاكاة الحياة النيابية والتشريعية فاعلية تثقيفية لطلاب أمانة وجه بحري بجامعة الأزهر

أكثرمن 2000 متسابق في الدورة الـ34 لمسابقة الحاج مالك عباس لحفظ القرآن الكريم بقرية صرد