.ا.د ابراهيم حسينى درويش :حين تتحول الدعوة إلى خصومة: خطر التشدّد على الدين والمجتمع



صورة الإسلام بين الجوهر والممارسة..

عندما ننظر إلى واقعنا المعاصر، ونقارن بين ما جاء به الإسلام من قيمٍ سامية، وما نراه من ممارساتٍ منسوبة إليه زورًا أو جهلًا، ندرك حجم الفجوة الخطيرة بين الدين في صفائه الأول، والدين في بعض صوره المشوَّهة اليوم.

فالإسلام الذي قدَّمه القرآن، وبلَّغه النبي ﷺ، دين رحمة، وحكمة، وعدل، وأخلاق، قبل أن يكون شعاراتٍ أو مظاهر. غير أن بعض من ينتسبون إليه – قولًا لا فعلًا – أساؤوا إليه بسلوكياتهم، حتى صاروا أكبر دليلٍ يستشهد به أعداء الإسلام على دعاواهم الباطلة بأن هذا الدين لم ينتشر إلا بالقوة والسيف، لا بالخلق والقيم.

والحق أن هذه الصورة لا تمت للإسلام بصلة، بل هي نقيض صريح لهديه، ومخالفة واضحة لمنهج نبيّه ﷺ، الذي وصفه ربه بقوله:﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.


الإسلام لم ينتشر بالسيف… بل بسلوك الدعاة..

----------------------------------------

لو كان الإسلام قد انتشر بالسيف، لما دخلته القلوب، ولما صمد في وجدان الشعوب قرونًا طويلة. إنما انتشر حين رأى الناس عدله في الحكم، وأمانته في المعاملة، ورحمته في الخلاف، وتسامحه في القوة.

انتشر حين كان الداعية قبل أن يتكلم قدوةً تمشي على الأرض، وحين كانت الأخلاق ترجمان العقيدة، وكان السلوك هو أعظم وسائل الدعوة.

لكن المؤلم اليوم أن بعض الأصوات المرتفعة باسم “الدين” لا تعرف من الإسلام إلا القسوة، ولا من الدعوة إلا الصدام، ولا من الغيرة إلا الاتهام، فاختزلوا الدين في دائرة ضيقة، وجعلوا أنفسهم أوصياء على الإيمان، ومن خالفهم – ولو كان من أهل القبلة – فهو عندهم ضال أو مبتدع أو كافر.


التدين المغشوش… حين يتحول الدين إلى أداة هدم..

----------------------------------------

أخطر ما في الفكر المنحرف أنه لا يكتفي بأن يضل صاحبه، بل يسعى إلى تضليل غيره، ويستحل في سبيل ذلك الأعراض والدماء والأموال.

هؤلاء يزعمون أنهم وحدهم“الفرقة الناجية”، وأن غيرهم من المسلمين على باطل، فيوجّهون سهامهم إلى صدور الموحدين، ويتركون دعوة أهل الشرك والكفر، وكأن مشكلتهم ليست مع من يعادي الإسلام، بل مع من ينتمي إليه.

وهنا تقع المغالطة الكبرى:كيف نترك من لم يعرف الإسلام أصلًا، ونتفرغ لتكفير من شهد أن لا إله إلا الله؟

كيف نرفع راية “الأمر بالمعروف” ونحن نفتقد أبسط معاني المعروف في أخلاقنا وألسنتنا؟وكيف نزعم اتباع النبي ﷺ، وسيرتنا تناقض سيرته قولًا وفعلًا؟


{قل هذه سبيلي}… منهج الدعوة لا شعارها

----------------------------------------

يضع القرآن الكريم أيدينا على المنهج الصحيح للدعوة في قوله تعالى:﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾.

هذه الآية ليست مجرد توجيه، بل ميزان دقيق يَفصل بين الدعوة الراشدة والدعوة المنحرفة.

فالدعوة إلى الله لا تكون بالصوت العالي، ولا بالاتهام السريع، ولا بالتصنيف الإقصائي، وإنما تكون على بصيرة:...بصيرة بالعلم، لا بالجهل.وبصيرة بالواقع، لا بالوهم.

وبصيرة بالنفس، لا بالهوى.

فمن دعا بغير علم أفسد أكثر مما أصلح، ومن دعا بغير حكمة نفَّر أكثر مما قرَّب، ومن دعا بدافع الأيديولوجيا أو السياسة أو العصبية، فقد خان أمانة الدعوة ولو ظن نفسه مخلصًا.


من هو المدعو؟ ومن هو الداعي؟

----------------------------------------

من أبجديات الدعوة التي غفل عنها كثيرون اليوم، أن نعرف أولًا:

من الذي ندعوه؟ وهل هو مسلم جاهل؟ أم مسلم مخطئ؟ أم غير مسلم؟..فلكل مقام مقال، ولكل حال خطاب.

ثم: من هو الداعي؟..هل هو عالم راسخ؟ أم طالب علم؟ أم متحمس بلا زاد؟...فالدعوة ليست مجالًا للتجارب، ولا ساحة لإثبات الذات، بل مسؤولية كبرى تحتاج إلى تأهيل علمي، ونضج نفسي، وأخلاق عالية....وأخيرًا: ما هي طريقة الدعوة؟...وهنا يأتي القرآن حاسمًا لا لبس فيه.


الحكمة والموعظة الحسنة… أصل لا فرع..

----------------------------------------

يقول الله تعالى:﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾.

الحكمة تعني وضع الشيء في موضعه، واختيار الوقت والأسلوب والكلمة.

والموعظة الحسنة تعني خطاب القلب قبل كسب المعركة، وبناء الإنسان قبل كسر الخصم.

ولم يجعل الله هذا المنهج خاصًا بالضعفاء أو العامة، بل طبَّقه مع أعتى الطغاة، فرعون الذي قال: “أنا ربكم الأعلى”.ومع ذلك قال الله لموسى وهارون عليهما السلام:﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾..فإذا كان هذا الخطاب مطلوبًا مع فرعون، فكيف يُبرَّر الغلظة والسباب والتكفير مع مسلم يشهد الشهادتين؟


إبراهيم عليه السلام… نموذج خالد في أدب الدعوة..

----------------------------------------

يضرب لنا القرآن أروع الأمثلة في دعوة الخليل إبراهيم عليه السلام لأبيه، وهو على الشرك، فيقول:

﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾.

لم يبدأ بالتجريح، ولا بالاتهام، ولا بإلغاء الأبوة، بل خاطبه بـ”يا أبتِ”، كلمة تحمل الرحمة، والاحترام، والحرص.

فإذا كان هذا أدب الأنبياء مع المشركين، فكيف انحدر الخطاب اليوم إلى لغة السباب والتخوين بين أبناء الدين الواحد؟


حين يتصدر الجهال… وتُغتال القامات..

----------------------------------------

من أخطر الظواهر المعاصرة أن يتصدر المشهد الدعوي من لم ينالوا حظًا من العلم، ولا تمرسوا على فهم النصوص، ولا عرفوا مقاصد الشريعة.

فيتجرأون على تكفير الناس، والطعن في العلماء، والتشكيك في القامات، وكأن العلم يُكتسب بالصراخ، أو تُنال الفتوى بالمتابعة على المنصات.

وهؤلاء  دون أن يشعروا  تحوّلوا إلى أدوات في يد أعداء الأمة، يضربون وحدة المجتمع من الداخل، ويفتحون أبواب الفتن، ويقدّمون صورة مشوَّهة عن الإسلام تنفّر الناس منه بدل أن تجذبهم إليه.


الدعوة ليست معركة… بل رسالة

----------------------------------------

الدعوة إلى الله ليست ساحة حرب، ولا مجالًا لتصفية الحسابات، ولا وسيلة للسيطرة أو الاستعلاء.

هي رسالة إصلاح، وبناء، وهداية، تبدأ من القلب، وتستقيم بالعلم، وتزدهر بالأخلاق...وكل دعوة تخلو من الرحمة، وتفتقد الحكمة، وتغيب عنها البصيرة، هي دعوة ناقصة مهما رفعت من شعارات، ومهما استشهدت من نصوص.


خاتمة: العودة إلى الجذور

----------------------------------------

نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى استعادة منهج الرسل والأنبياء:

علمٌ راسخ،وأخلاقٌ عالية،وبصيرةٌ نافذة،ودعوةٌ بالحكمة والموعظة الحسنة، مع المسلمين وغير المسلمين على السواء.

فالإسلام لا يحتاج إلى من يدافع عنه بالعنف، بل إلى من يُجسّده سلوكًا.

ولا يحتاج إلى أصواتٍ غاضبة، بل إلى قلوبٍ رحيمة، وعقولٍ واعية.

اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه،

وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه،

اللهم طهّر قلوبنا من الغلو، وألسنتنا من الفحش، وأعمالنا من الرياء،

واجعلنا دعاةً إليك على بصيرة،

بالعلم، والحكمة، وحسن الخلق،

كما أردتَ، وكما أحببتَ، وكما دعا أنبياؤك ورسلك،وصلِّ اللهم وسلِّم على سيدنا محمد، نبي الرحمة، ومعلم الإنسانية، وعلى آله وصحبه أجمعين.

جمعتكم طيبة مباركة 

بقلم.ا.د  ابراهيم حسينى درويش 

٢٠٢٦/٢/٦

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بالأسماء تعرف على أوئل الشهادة الإبتدائية والإعدادية الأزهرية بالغربية

نموذج محاكاة الحياة النيابية والتشريعية فاعلية تثقيفية لطلاب أمانة وجه بحري بجامعة الأزهر

تكريم جودة التعليم بالغربية الأزهرية في الملتقى الرابع لقطاع المعاهد الأزهرية