(وقفة تربوية من السيرة النبوية)
وقفتنا اليوم مع موقف نبوي ولفتة تربوية من النبي المربي ﷺ يروي لنا هذا الموقف صاحبه، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم، عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال: كُنْتُ غُلامًا في حَجْرِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَتْ يَدِي تَطِيشُ في الصَّحْفَةِ، فَقالَ لي رَسولُ اللَّهِ ﷺ: يا غُلامُ، سَمِّ اللَّهَ، وكُلْ بيَمِينِكَ، وكُلْ ممّا يَلِيكَ فَما زالَتْ تِلكَ طِعْمَتي بَعْدُ.
هذا الحديث العظيم مع قصره وقلة كلماته إلا أنه من جوامع الكلم، جمع لنا بين آداب الطعام و العديد من الوقفات التربوية.
وعمر بن أبي سلمة هذا كان غلامًا صغيرًا في السادسة من عمره ومع أنه كان ربيب النبي ﷺ، أي تربى في بيته إلا أن النبي ﷺ لم يهمل تربيته وحسن رعايته وتعهده بالنصح والإرشاد كما يحدث من بعض الناس.
وفي الحديث بين لنا النبي ﷺ أن آداب الطعام ليست خاصة بالكبير فقط، بل مطالب بها الكبير ويتعلمها الصغير أيضًا حتى يحسنها.
كما نرى في حديث النبي ﷺ التلطف في الحديث مع الغلام وإسداء النصيحة له فلم يقل له يا فلان، بل قال له: يا غلام، ليشعر أنه مازال صغيرًا وفعله هذا لصغر سنه وعدم علمه فلم يحقره النبي ﷺ ولم يحقر فعله، ولم يذكر خطأه عند تعليمه له الصواب، وكأنه يقول: لا بأس عليك يا صغيري.
وكان من الممكن أن يُتْرَك التوجيه ونقول: حينما يكبر سيتعلم، إلا أن المربي عليه أن يهتم بكل مناحي حياة المتعلم حتى المأكل والمشرب، ويوجهه عند اللزوم، وذلك لأن كما اشتهر على ألسنة الناس: التعليم في الصغر كالنقش على الحجر، وحتى يعتاد الطفل فعل الصواب، فواجب المربي أن يدقق النظر لشئون من يربيهم وهذا ما كان يفعله النبي ﷺ فلم يؤخر المقال عن مقتدى الحال.
كذلك نجد أن تعليم العقيدة مهمة للأطفال، فلابد من غرس الخضوع لله في نفس الطفل على قدر صغر سنه، فلم يكثر النبي ﷺ من الكلام للغلام، بل قال له: (سم الله)، فيجعلها في كل شئونه، ثم قال له النبي ﷺ: (وكل بيمينك، وكل مما يليك) فكلما كانت النصيحة مختصرة كلمات بسيطة، كانت حاضرة في ذهن المتلقي ويسعى إلى تطبيقها خاصة مع الأطفال.
وكان أثر تلك النصيحة المختصرة الرفيقة والموعظة الحسنة الرقيقة أن داوم عليها عمر بن أبي سلمة رضى الله عنهما، فقال: (فما زالت تلك طُعمتي بعد)، فداوم على الامتثال، حتى أنه نقل لنا الحدث بدقة، وإن كان فيه ذكر لعيب صدر منه، إلا أنه أراد أن ينتفع به غيره، وهكذا المسلم يحرص على تبليغ العلم للناس كافة دون أن يتحرج، فهذا الحديث نقله عمر بن أبي سلمة وينتفع به المسلمين كافة في كل يوم وليلة.
كما بين لنا الحديث أن من صفات المربي الناجح أن يكون متواضع، فلم يستأنف النبي ﷺ الجلوس مع صبي صغير ليأكل معه، بل إن من الأفضل الاستفادة من الاجتماع على الطعام كوقت للتفاعل الأسري والتربية والتوجيه والتشاور فيما بينهم واكتساب للسلوك المهذب، والاستئناس بالقدوات والمربين.
أما من خلال كلمات النبي ﷺ للغلام ففيه تعليم آداب الطعام، فقد أراد النبي ﷺ تعويده على ذكر الله في كل أمر من أموره، لاسيما أمر الطعام وإن كان أمر قد يدفع الإنسان من شدة الجوع ورؤيته إلى أن ينسى ذكر الله، وهنا أراد النبي ﷺ أن يلفت نظره وأن يعلمه أن هذا الطعام إنما هو من عند الله وإنما هو رزق الله، وأنه عليه أن يذكر الله عند كل نعمة تحصل له، ومنها نعمة الشبع بعد الجوع، فإذا ما وجد الطعام الذي يحدث به الشبع ذكر الله تعالى وهذا كالمثال على كل أمر يفعله، فإذا ما أكل أو شرب ذكر الله، وإذا ما قام بأي أمر من أمور الدنيا جليلها أم صغيرها ذكر اسم الله عليه فكان من الذاكرين الله كثيرا، متبعًا قوله تعالى: {وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} [سورة الجمعة:١٠]، وهكذا كان النبي ﷺ يذكر ربه على كل أحيانه.
كما أن النبي ﷺ أراد أن يعلمه أن النعمة لابد أن تؤخذ باليمين فكان النبي ﷺ إذا أخذ أخذ بيمينه، وإذا أعطى أعطى بيمينه، وإذا دخل دخل بيمينه، وإذا خرج خرج بيمينه فكان يعجبه التيمن في كل شيء وهذا تكرمة أيضًا وتعظيمًا لنعمة الله سبحانه وتعالى وتعظيماً لجهة اليمين.
وأما الأدب الثالث فقد أراد نبينا ﷺ أن يكون محل نظر الإنسان ما رزقه الله وما أعطاه الله فلا يتطلع إلى ما رزق الله غيره من بني البشر، وإذا كان النبي ﷺ قد عوده أن يأكل مما يليه فهذا تعويد له على أن أمور الدنيا لابد أن يتمتع الإنسان فيها بالرضا وبالقناعة وألا يلتفت نظره إلى ما عند غيره من الناس، فإن النبي ﷺ قد أمرنا في أمور الدنيا بأن ننظر إلى من هو أسفل منا فإن ذلك أحرى ألا نزدي نعمة الله علينا، وفي ذلك ترسيخ لقيمة القناعة والرضا.
فهذا هو النبي ﷺ الذي قال عنه الله سبحانه وتعالى: {لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا} [الأحزاب:٢١] فعلى كل مربي ليكون ناجحًا أن يقتدي بالنبي ﷺ في هديه وفعله؛ ليكون مربيًا ناجحًا يخرج أجيالًا سوية خالية من الانحرافات العقدية والسلوكية والنفسية.
أماني سعد صلاح
مجمع البحوث الإسلامية
منطقة وعظ دمياط

تعليقات
إرسال تعليق