إيهاب زغلول يكتب: حين تصبح العزلة سكينة وتصبح المسافة نجاة
ما أجمل أن يجد الإنسان نفسه يومًا بين صفاء السماء وهدوء الطبيعة بعيدًا عن صخب دنيا الناس وضجيجها.. بعيدًا عن الأصوات التي لا تمنح القلب إلا مزيدًا من الإرهاق والقلق. هناك، حيث يمتد البحر أمام العين ويلامس الأفق، يشعر الإنسان أن للحياة وجهًا آخر أكثر هدوءًا وصدقًا، وأن بعض اللحظات التي نختلي فيها بأنفسنا قد تكون أعمق من سنوات طويلة قضيناها وسط الزحام.
الوحدة ليست دائمًا عزلة، كما أنها ليست هروبًا من الحياة أو كراهية للناس، بل قد تكون في أحيان كثيرة مساحة ضرورية للتأمل ومراجعة النفس وترتيب الفوضى التي تركتها الأيام داخلنا. ففي لحظات الهدوء يستطيع الإنسان أن يسمع صوته الداخلي بوضوح، وأن يكتشف ما الذي يؤلمه وما الذي يستحق أن يتمسك به وما الذي آن أوان أن يتركه خلفه.
التأمل عبادة وسكينة، وفي زمن امتلأت فيه القلوب بالكثير من الضغوط والطاقات السلبية أصبح الإنسان في حاجة إلى لحظة يبتعد فيها عن كل ما يستنزف روحه ويمنحه فرصة لاستعادة توازنه. وربما كان البحر واحدًا من أجمل الأشياء التي تمنح النفس هذه المساحة؛ فمع كل موجة تتراجع بعض الهموم، ومع اتساع الأفق يتسع القلب، ومع هدوء الطبيعة تهدأ أشياء كثيرة بداخلنا.
لكن أكثر ما يستنزف الإنسان ليس دائمًا العمل أو ضغوط الحياة، وإنما بعض العلاقات التي يدخلها بقلب صادق ثم يكتشف بعد وقت أنها لم تكن سوى عبء نفسي ثقيل.
هناك أشخاص في حياتنا نحتاج إلى الابتعاد عنهم، ليس لأننا نكرههم، وإنما لأن وجودهم أصبح مؤذيًا لسلامنا النفسي. أشخاص لا يريدون لك أن تكون في المكان الذي تستحقه، ولا يفرحون حقًا بنجاحك، وإنما يحتاجون إلى وجودك فقط لتكمل لهم ما ينقصهم من اهتمام أو شغف أو شعور بالذات.
العلاقات الإنسانية الحقيقية لا تقوم على الاستنزاف ولا على التملك ولا على الأنانية، وإنما تقوم على الاحترام والتقدير والمساندة المتبادلة.
من يحبك بصدق لن يبحث عن ألف سبب للابتعاد عنك، بل سيبحث عن ألف وسيلة ليبقى قريبًا منك. سيحاول تجاوز العقبات، وسيحرص على ألا يكون سببًا في حزنك، وسيكون همه أن يراك بخير وأن يشعر معك بالأمان والراحة. الحب الحقيقي لا يحتاج إلى الكثير من الكلام، فالمواقف وحدها قادرة على أن تقول كل شيء.
أما من لا يريدك في حياته، فسيجد دائمًا مبررات للابتعاد، وستصبح مشاغله أكثر أهمية منك، وسيجد الوقت لكل شيء إلا لك. وعندها لا تحاول أن تفرض حضورك على أحد، ولا تبحث عن مكان في قلب أغلق أبوابه أمامك.
فالإنسان الذي يقدرك لن يجعلك تشعر أنك عبء عليه، ومن يحبك لن يجعلك دائمًا في حالة من القلق والتساؤل عن مكانتك لديه.
ولذلك فإن العلاقات المسمومة لا تعالج بالمسكنات، وإنما تحتاج أحيانًا إلى الحسم ووضع الحدود والابتعاد. لأن الاستمرار في علاقة تستنزف طاقتك وراحتك وكرامتك قد يحول الحياة إلى دائرة من الألم المتكرر.
وما أصعب أن يعيش الإنسان محاطًا بأشخاص كثيرين لكنه يشعر بينهم بالوحدة، وما أجمل أن يجد شخصًا واحدًا فقط يشعر معه بالأمان والسلام.
المواقف هي الاختبار الحقيقي للناس، والكلمات مهما كانت جميلة لا تستطيع أن تخفي الحقيقة طويلًا. فهناك أشخاص تلتقي بهم فتشعر أن روحك أصبحت أخف، وأن قلبك أكثر طمأنينة، وهناك آخرون تنتهي من الحديث معهم فتشعر أنك فقدت شيئًا من طاقتك وراحتك.
لذلك لا تقاس قيمة العلاقات بكثرتها، وإنما بصدقها. وليس المهم كم شخصًا حولك، بل من منهم يبقى بجانبك حين تحتاج إليه، ومن منهم يفرح لفرحك دون غيرة، ويحزن لحزنك دون مصلحة، ويحفظ غيابك كما يحفظ حضورك.
وفي النهاية، ربما تكون بعض المسافات رحمة، وبعض الغيابات شفاء، وبعض العزلة عودة صادقة إلى النفس وإلى الله.
فلا تخف من أن تبتعد عما يؤذيك، ولا تشعر بالذنب لأنك اخترت سلامك النفسي، فالحياة أقصر من أن نهدرها في محاولة إرضاء من لا يقدرنا، وأجمل من أن نسمح للطاقات السلبية أن تسرق منها نورها.
اجلس أحيانًا مع نفسك، تأمل السماء، استمع إلى صوت البحر، دع قلبك يتنفس بعيدًا عن ضجيج الآخرين، وارفع يديك إلى الله.
هناك ستدرك أن بعض الأشياء التي ظننت أنك لا تستطيع العيش من دونها لم تكن سوى أعباء حملتها طويلًا، وأن راحة القلب لا تأتي دائمًا من امتلاك المزيد، وإنما من القدرة على التخلي عما يؤلمنا.
اللهم اجعل لنا من هدوء قلوبنا سكينة، ومن تأملنا في خلقك إيمانًا، واشملنا بسترك الجميل، واهدِ قلوبنا برحمتك، واغفر لنا ما أثقل أرواحنا، واكتب لنا راحةً لا تنتهي. 🤲

تعليقات
إرسال تعليق