اللواء سامى دنيا :مصر لا تحارب بالوكالة عن أحد.. القرار الوطني فوق كل اعتبار


 


في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة وما يحيط بها من صراعات وتحديات تفرض نفسها على المشهد الإقليمي تبرز أهمية الموقف المصري القائم على حماية الأمن القومي والحفاظ على استقلال القرار الوطني وعدم الانجرار إلى مواجهات عسكرية لا تتفق مع المصالح العليا للدولة المصرية وشعبها.

فمصر التي تحملت على مدار سنوات طويلة أعباء اقتصادية وسياسية وأمنية جسيمة تدرك أن قرار الحرب والسلام ليس مجالًا للمزايدات السياسية أو الشعارات العاطفية بل هو مسؤولية وطنية كبرى تخضع لحسابات دقيقة تتعلق بأمن الدولة واستقرارها ومصالح شعبها ومستقبل أجيالها.

اليمن والتحديات الإقليمية

تفرض التطورات المرتبطة بالأزمة اليمنية وما يتصل بها من تهديدات للممرات البحرية والمصالح الاقتصادية الدولية ضرورة التعامل مع المشهد بقدر كبير من الحكمة والوعي. فالأزمات الإقليمية لا يمكن النظر إليها بمعزل عن تداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها وحركة التجارة العالمية ومصالح الشعوب.

ومن هذا المنطلق فإن الموقف المصري ينبغي أن يُقرأ في ضوء ثوابت السياسة الخارجية المصرية التي تضع حماية الأمن القومي في مقدمة أولوياتها وتوازن بين مسؤولياتها الإقليمية وحقها الأصيل في اتخاذ قراراتها وفقًا لما تقتضيه مصالحها الوطنية.

إن مصر ليست مطالبة بخوض معارك بالوكالة عن أي طرف وليست ملزمة بدفع أثمان صراعات لا تخدم مصالحها المباشرة فلكل دولة مسؤوليتها في حماية أمنها والدفاع عن مصالحها كما أن التعاون بين الدول يجب أن يقوم على الاحترام المتبادل وتقاسم المسؤوليات لا على تحميل طرف واحد أعباء المواجهة.

أموال المنطقة بين البناء والصراعات

إن ما تشهده المنطقة من أزمات متلاحقة يطرح تساؤلات مهمة حول أولويات الإنفاق والاستثمار ومدى توجيه الموارد المالية إلى ما يخدم الشعوب ويعزز استقرار الدول.

فالأموال والثروات التي تمتلكها دول المنطقة يمكن أن تكون ركيزة أساسية لتحقيق التنمية وبناء الاقتصادات وتوفير فرص العمل وتحسين مستويات المعيشة لكنها قد تتحول إلى عامل إضافي في تعقيد الأزمات إذا وُجهت إلى صراعات ممتدة أو تدخلات تزيد من حدة التوتر وعدم الاستقرار.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة الأولويات الإقليمية وتغليب المصالح المشتركة والعمل على دعم الاستقرار واحترام سيادة الدول والحفاظ على مقدرات الشعوب العربية والإسلامية.

كما أن القضية الفلسطينية تظل في صدارة القضايا التي تستوجب تحركًا مسؤولًا لحماية المدنيين ودعم حقوق الشعب الفلسطيني والعمل من أجل إنهاء معاناته وتحقيق سلام عادل يحفظ الحقوق ويضع حدًا لدورات العنف المتكررة.

ولا يقل عن ذلك أهمية الحفاظ على استقرار ليبيا والسودان وتعزيز الأمن المائي المصري والعمل على تجنب التصعيد في منطقة البحر الأحمر وباب المندب باعتبار أن استقرار هذه المناطق يرتبط بصورة مباشرة بأمن المنطقة ومصالح شعوبها.

مصر والاقتصاد في مواجهة التحديات

على الصعيد الاقتصادي واجهت مصر خلال السنوات الماضية ضغوطًا كبيرة انعكست على مستويات الأسعار وتكاليف المعيشة وقدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية وكان المواطن المصري هو الأكثر شعورًا بتداعيات التضخم وارتفاع أسعار السلع والخدمات.

ورغم ما تحقق من مشروعات واستثمارات وما شهدته بعض القطاعات من تحسن فإن التحدي الحقيقي يظل في تحويل المؤشرات الاقتصادية الإيجابية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

فنجاح السياسات الاقتصادية لا يقاس فقط بمعدلات النمو أو حجم الاحتياطيات النقدية أو تدفقات الاستثمار وإنما يقاس كذلك بقدرتها على زيادة الدخول الحقيقية وتحسين مستوى المعيشة وتوفير فرص العمل وتخفيف الأعباء عن الأسر المصرية.

وفي هذا السياق تكتسب المؤشرات الاقتصادية المعلنة بشأن نمو بعض القطاعات وتحسن الاحتياطي النقدي أهمية كبيرة مع ضرورة تقييمها في ضوء البيانات الرسمية وتطورات الاقتصاد المحلي والعالمي ومدى انعكاسها على حياة المواطنين.

كما أن تثبيت التصنيف الائتماني لمصر أو تحسن النظرة المستقبلية للاقتصاد وفقًا لتقارير المؤسسات الدولية يمثل مؤشرًا يستحق المتابعة لكنه لا يغني عن مواصلة الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز الإنتاج المحلي وزيادة الصادرات وتحسين بيئة الاستثمار.

إن المواطن المصري ينتظر أن تتحول نتائج الإصلاح إلى تحسن مستدام في دخله وقدرته الشرائية وأن تتراجع الضغوط التي أثقلت كاهله خلال السنوات الماضية فالتنمية الحقيقية هي التي تجمع بين قوة الاقتصاد وعدالة الفرص وتحسين جودة الحياة.

الاستثمار والشراكات الدولية

تمتلك مصر مقومات مهمة تؤهلها لجذب المزيد من الاستثمارات في قطاعات الصناعة والطاقة والسياحة والزراعة والنقل والخدمات اللوجستية كما أن موقعها الجغرافي واتساع سوقها المحلية وارتباطها بالأسواق الإفريقية والعربية والأوروبية يمنحها فرصًا واعدة لتطوير دورها الاقتصادي الإقليمي.

وتظل الشراكات مع الصين وكوريا الجنوبية وغيرهما من القوى الاقتصادية الكبرى فرصة لتعزيز التصنيع ونقل التكنولوجيا وتوسيع قاعدة الإنتاج وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية.

غير أن تقييم هذه الفرص يجب أن يستند إلى الاتفاقات الرسمية المعلنة وقيمتها الفعلية والجداول الزمنية لتنفيذها وحجم الاستثمارات التي تدخل حيز التنفيذ بالفعل.

فالإعلان عن استثمارات كبيرة لا يعني بالضرورة تحققها بالكامل كما أن الوعود الاقتصادية لا تصبح إنجازًا ملموسًا إلا عندما تتحول إلى مصانع تعمل ومشروعات منتجة وفرص عمل حقيقية وزيادة في الصادرات.

وتستطيع مصر أن تعزز موقعها الاقتصادي من خلال تنويع شركائها الدوليين وتطوير قدراتها الإنتاجية والاستفادة من المنافسة بين الاقتصادات الكبرى بما يحقق مصالحها الوطنية ويحافظ على استقلال قرارها.

السياسة الخارجية المصرية واستقلال القرار

إن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات عسكرية أو اقتصادية وإنما تقاس أيضًا بقدرتها على اتخاذ قراراتها بصورة مستقلة وبما تمتلكه مؤسساتها من قدرة على تقدير المخاطر والفرص والتعامل مع الأزمات بعيدًا عن الانفعال والمزايدات.

ومصر بحكم موقعها الجغرافي وثقلها الإقليمي وتاريخها السياسي تتحمل مسؤوليات كبيرة تجاه أمنها القومي واستقرار المنطقة لكنها في الوقت نفسه تملك الحق الكامل في تحديد طبيعة مشاركتها في أي تحرك إقليمي وفقًا لما تراه مناسبًا لمصالحها الوطنية.

فالتعاون مع الدول الشقيقة والصديقة أمر مهم وضروري لكن هذا التعاون يجب أن يقوم على الوضوح والاحترام المتبادل وتحديد المسؤوليات بصورة عادلة.

ولا تعني حماية القرار الوطني الانعزال عن محيط مصر العربي والإفريقي والدولي بل تعني الانفتاح على الجميع مع الحفاظ على الثوابت الوطنية وعدم السماح لأي طرف بفرض خيارات تتعارض مع مصالح الشعب المصري.

مصر أقوى بالوعي والعمل

إن التحديات التي تواجه مصر والمنطقة تفرض علينا جميعًا التمسك بالوعي والابتعاد عن الشائعات والتحقق من الأخبار والتفرقة بين المعلومات المؤكدة والتحليلات والتوقعات.

فليس كل ما يتردد عن تحالفات أو اتفاقات أو تحركات عسكرية حقيقة ثابتة كما أن التصريحات السياسية والوعود الاستثمارية تحتاج إلى متابعة وتقييم في ضوء ما يُعلن رسميًا وما يتحقق على أرض الواقع.

إن قوة الموقف المصري تزداد كلما استند إلى الحقائق والأرقام الدقيقة والرؤية الاستراتيجية الواضحة وكلما نجحت الدولة في تحويل التحديات إلى فرص من خلال الإنتاج والعمل والإصلاح وتطوير قدرات الإنسان المصري.

كما أن الحفاظ على الاستقرار يتطلب مشاركة مجتمعية واعية ومصارحة بالحقائق ومناقشة موضوعية للسياسات العامة بما يسمح بتصحيح المسار ومعالجة أوجه القصور وتحقيق المصالح العليا للوطن.

ولا يمكن إغفال الدور المحوري للقوات المسلحة المصرية ومؤسسات الدولة في حماية الأمن الوطني وصون سيادة البلاد في ظل منطقة تموج بالصراعات والتوترات وهو ما يجعل الحفاظ على قوة الدولة وتماسك المجتمع مسؤولية مشتركة.

مصر أولًا.. وأمنها القومي خط أحمر

إن مصر لا تحتاج إلى المبالغة في وصف قوتها ولا إلى التقليل من حجم التحديات التي تواجهها فالدول القوية هي التي تعرف قدراتها وتدرك نقاط ضعفها وتعمل على معالجتها وتخطط للمستقبل على أساس من الحقائق والإمكانات المتاحة.

ومهما اشتدت الضغوط الاقتصادية أو تعقدت الأوضاع الإقليمية فإن الأمل في مستقبل أفضل يظل قائمًا ما دام هناك عمل جاد وإرادة للإصلاح وقدرة على حماية المصالح الوطنية وتوظيف الإمكانات المتاحة في خدمة المواطنين.

إن المرحلة المقبلة تتطلب مزيدًا من العمل لزيادة الإنتاج وتحفيز الاستثمار وتوسيع فرص العمل وتحسين مستوى الخدمات وتخفيف الأعباء عن المواطنين كما تتطلب سياسة خارجية متوازنة تحافظ على علاقات مصر الدولية وتدعم استقرار المنطقة دون التفريط في استقلال القرار الوطني.

وستظل مصر بحاجة إلى شراكات اقتصادية حقيقية تحقق المصالح المتبادلة وإلى تعاون إقليمي يضع التنمية والاستقرار في مقدمة الأولويات وإلى خطاب عام يواجه الشائعات بالحقائق ويستبدل المزايدات بالوعي والمسؤولية.

مصر أولًا.. لا تحارب بالوكالة عن أحد ولا تفرط في قرارها الوطني. أمنها القومي خط أحمر ومصالح شعبها فوق كل اعتبار.

حفظ الله مصر قيادةً وشعبًا وجيشًا ووفق أبناءها إلى كل خير وجعلها دائمًا واحة للأمن والاستقرار وحفظ شعوب المنطقة من ويلات الحروب والصراعات.

تحيا مصر قوية آمنة مستقرة 🇪🇬

يمكنني أيضًا إعداد نسخة أقصر وأكثر قوة للنشر على فيسبوك مع عنوان جذاب ومقدمة صحفية مكثفة.


اللواء سامى دنيا :مصر لا تحارب بالوكالة عن أحد.. القرار الوطني فوق كل اعتبار

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تكريم جودة التعليم بالغربية الأزهرية في الملتقى الرابع لقطاع المعاهد الأزهرية

أكثرمن 2000 متسابق في الدورة الـ34 لمسابقة الحاج مالك عباس لحفظ القرآن الكريم بقرية صرد

صفط تراب تتشح بالسواد بعد وفاة شاب متأثرًا بإصابته في مشاجرة ثأرية