عرائس بلا اختيار… وحكايات بلا بداية
يهتزّ القلم في يدي، كأنه يظن أني سأكتب كلماتٍ عابرة، بينما أنا أحاول أن أستعير قلب فتاة، وأن أُترجم دموعها التي تجري كالنهر، "ليس هذا ما حلمتُ به منذ سنواتٍ طوال."
(لصوص السعادة، وقراصنة راحة البال) عنوانٌ يليق بكل من يجبر فتاةً على الزواج، فحُسن النية لا يكفي لانتزاع حرية الاختيار؛ لأن الزواج في حقيقته إيجابٌ وقبول، لا إجبارٌ ومثول، وقد قال النبي ﷺ: "لاَ تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلاَ تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ" (صحيح البخاري).
لقد كفل الإسلام للمرأة حقّ اختيار شريك حياتها، فكيف يتجرأ المجتمع على سلبها هذا الحق بحججٍ صنعها هو؟! حجّة السن، وسباق الزواج الذي تحوّل إلى ماراثون، من سبقَتْ فيه حازت رضا المجتمع، ومن تأخّرت أصبحت فريسة للضغط، ضغطٍ لا يأتي من المجتمع فقط، بل من أقرب الناس إليها، وكأنهم نسوا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (سورة النساء: 19).
دعونا نتأمل الواقع إحصاءات الطلاق المبكر – التي ترتبط غالبًا بالزواج المبكر – أصبحت مخيفة وكفيلة بأن تهدم استقرار مجتمعٍ بأكمله.
فتياتٌ خُطِبن ثم لم يتمّ النصيب، منهنّ من تعلّقت ورسمت أحلامها ونسجت مستقبلها، ثم سُئلت بعد الفراق: كيف حالك؟ فأجابت: "وهل للرماد إحساسٌ بعد الاحتراق؟! فهل يصلح الضغط لتعجيل الزواج في مثل هذه الحالات؟! وأخرى حفظت نفسها، وراعت ربّها فيما وهبها، وكانت طاهرةً في محرابها، ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ (الأنبياء: 91)، لكن حتى السيدة مريم – عليها السلام – لم تسلم من ألسنة الناس، فكيف بمن دونها؟! فتياتٌ عفيفات، أطعن ربّهن، وسِرن على نهج كتابه وسنة نبيّه، فلماذا نُحمّلهنّ تأخّر الزواج؟ ولماذا نضغط عليهن حتى يضقن بأنفسهن، ويشعرن أنه لا سبيل لهن إلا القبول بأيّ كان؟! نظرات الشفقة في حضورهن وغيابهن تُرهق القلب، وتكسر الصمت، وكأن المطلوب أن تُجبَر الفتاة على شريكٍ لا يناسبها، ولا يكافئها. ألا يعلمون أن نضج المرأة يزيدها قدرةً على تحمّل مسؤولية الأسرة؟ يزيدها وعيًا بالتربية، وبالحياة، وبالشراكة الحقيقية، أما التعجّل فقد يخلق كارثة: أطفالًا يعانون، وأسرًا مفككة، فهل هذا ما نسعى إليه؟!
ولأسباب تأخّر الزواج وجوهٌ كثيرة، منها المغالاة في المهور، وغيرها من القضايا التي تخصّ الشباب من الرجال والنساء، وقد قال النبي ﷺ: "إِنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مُؤُونَةً" (شعب الإيمان).
إلى كل فتاة تأخّر زواجها، لا تحزني، فلستِ أقلّ حظًا، بل قد تكونين أقلّ ابتلاءً من كثيراتٍ تزوّجن ثم وجدن أنفسهن في معاناةٍ مع شركاء لا يقدّرون معنى الحياة الزوجية، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (البقرة: 216).
وإلى الرجل: ابحث، وتحرَّ، ودقّق، فمن تختارها شريكةً لحياتك هي أمينةٌ على اسمك وبيتك وأولادك، وقد قال ﷺ: "فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ" (البخاري ومسلم)، وهي تستحق عناء البحث.
وإلى الفتاة: لا تتعجّلي القبول، فكّري وتدبّري قبل أن تقولي يومًا: يا ويْح نفسي… كيف أغزو عالمًا مجهولًا؟ ليتني قاومتُ طوفان الفضول، حين كانت حريتي في أن أقول أو لا أقول. فقد يأتي وقتٌ تنسين فيه كل شيء، إلا ما تحاولين نسيانه. صفعات الواقع المتكرّرة كفيلة بأن تجعلنا أكثر حذرًا، فعندما يدقّ القدر بعصاه على مسرح الحياة، تصبح الأمنيات مجرد جمهور، والقرار القاطع لا يترك مجالًا للتراجع. ولا يُثقِل قلب الإنسان إلا أمران: همٌّ يسكنه، وشيءٌ أحبّه حدّ المبالغة. ويهمس القلب: اصدق في كل شعورٍ ومقال، أوَ عني تُخفي ما تشعر؟ أليس هناك ما يُقال؟ أنسيت أني أعلم ما تحمل من طبعٍ وخِصال؟ فلا تستسلم للهمّ، وافتح للرضا والتفاؤل مجال، فالرضا والتفاؤل يمنحني القوة، والهمّ والتشاؤم ينال من العزّ والوصال.
رحلة الحياة الزوجية ليست بالأمر الهيّن، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، لكن الواقع – للأسف – أصبح مريرًا عند كثيرين، حتى إن بعضهم يفرّ إلى عالمٍ افتراضي هروبًا من ضغط واقعٍ لا يشعر به أحد. وفي النهاية يبقى السؤال: هل الاختيار حقّ أصيل… أم رفاهية لا يملكها الجميع؟
بقلم: أماني أحمد دسوقي،
واعظة وعضو لجنة فتوى بالأزهر الشريف

تعليقات
إرسال تعليق