د. ناصر السلامونى يكتب:نصر أكتوبر مستمر.. كلنا على قلب رجل واحد



كلما عادت ذكرى العاشر من رمضان السادس من أكتوبر، عادت معها صورة الإنسان المصري الذي استطاع أن يحول الهزيمةالمخزية إلى نصر يتحدث عنه العالم بل ويدرس في أرقى الأكاديميات العسكرية، حيث تحول الانكسار إلى إرادة، والخوف إلى ثقة.

فلم يكن نصر العاشر من رمضان السادس من أكتوبر 1973 نصرًا عسكريًا فقط، وإنما كان نصرًا لإرادة شعب بأكمله. فقد وقف الشعب خلف قواته المسلحة، وتحولت الأسرة المصرية إلى سند للجندي في الجبهة، كما شاركت المقاومة الشعبية في مدن القناة في مواجهة قوات الاحتلال، وكانت السويس نموذجًا للصمود، وبرز اسم الشيخ حافظ سلامة باعتباره أحد رموز المقاومة الشعبية ورفض الاستسلام.

وكانت روح أكتوبر أكبر من حدود مصر؛ فقد وقفت دول عربية إلى جانبنا وقدمت دعمًا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا وطبيًا، بما أكد أن المعركة كانت قضية عربية، وأن التضامن عندما يتحول من الشعارات إلى موقف حقيقي  يصنع فارقًا في التاريخ.

ولذلك بقي النصر حاضرًا في الوجدان المصري والعربي رغم مرور السنين لأنه أعاد  ثقته بنفسه وبقدرته على الإنجاز. ولم يتحقق بسلاح واحد أو فرع واحد من فروع القوات المسلحة، وإنما كافة التخصصات، التي عملت وفق تخطيط واحد وهدف واحد.

 ومن  مظاهر روح أكتوبر العلاقة الخاصة بين الشعب  وقواته المسلحة. فالجيش  ليس مؤسسة منفصلة عن المجتمع، بل هو ابن هذا الشعب،  وقد ظهرت هذه العلاقة في محطات تاريخية مختلفة، منها أحداث يناير 2011، ثم  الثلاثين من يونيو 2013، عندما رأى  الشعب فيها مؤسسة وطنية قادرة على حماية الدولة ومنع انزلاقها إلى الفوضى أو الصدام الأهلي.

وقد قامت هذه العلاقة على الثقة؛ فهي مسؤولية متبادلة: الجيش يحمي الوطن، والشعب يحافظ على دولته ومؤسساتها، والقيادة السياسية تدير الأزمات وتحاول تحقيق التوازن بين حماية الأمن والاستقرار والاستجابة لمطالب المجتمع.

والاصطفاف الوطني لا يعني أن نتفق جميعًا في كل شيء، ولا يعني أن يتوقف النقد أو أن نتجاهل مشكلات المواطن. على العكس، فالوطن القوي هو الذي يستطيع أن يعترف بمشكلاته ويعمل على حلها.

فالمواطن المصري الذي يلتف حول وطنه في مواجهة الأخطار الخارجية هو نفسه المواطن الذي يعاني من الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة، ويواجه تحديات في الخدمات الصحية والإسكان والتعليم وفرص العمل وغيرها. وهذه القضايا لا ينبغي أن تختفي خلف الحديث عن الأمن القومي، وإنما يجب أن تكون جزءًا من مفهوم الأمن القومي نفسه؛ لأن الإنسان المستقر والمطمئن على مستقبله هو أحد أهم عناصر  الدولة القوية.

وإذا نظرنا إلى الشرق الأوسط اليوم، فسوف ندرك أن العالم الذي نعيش فيه أصبح أكثر تعقيدًا. فالتحولات الجيوسياسية لا تعني فقط تغير الحكومات أو اندلاع الحروب، وإنما تعني تغير موازين القوى والتحالفات ومواقع النفوذ والمصالح.

فالمنطقة تعيش أزمات متشابكة تمتد من فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن والسودان إلى البحر الأحمر وباب المندب، فضلًا عن صراع المصالح الدولية حول الطاقة والممرات البحرية والنفوذ السياسي والاقتصادي.

كما أن أدوات الصراع تغيرت؛ فلم تعد القوة تقاس بالسلاح وحده، وإنما أصبحت التكنولوجيا والاقتصاد والطاقة والأمن السيبراني والمعلومات والإعلام والرأي العام العالمي عناصر أساسية في معادلة القوة.

وهنا يصبح للأمن القومي المصري مفهومًا أوسع من مجرد حماية الحدود؛ فهو يشمل المياه والغذاء والطاقة والاقتصاد والأمن البحري والاستقرار السياسي والمجتمعي، كما يرتبط بما يجري في دول الجوار وفي الدائرة العربية والإفريقية والمتوسطية.

وفي هذه البيئة المعقدة تصبح الجبهة الداخلية أحد أهم عناصر القوة. ولذلك فإن معركة الوعي لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى. فالشائعة يمكن أن تنتشر في دقائق، وقد تستخدم صورة قديمة أو معلومة ناقصة أو خبرًا مجهول المصدر لإثارة الخوف والشك.

 فالمواطن عليه ألا يكون ناقلًا للشائعة، وألا يسمح لمنشور مجهول أو مقطع مجتزأ بأن يصنع موقفه من وطنه.

وهنا يأتي دور الصحافة والإعلام، الذي أصبح في مقدمة ساحات الصراع الحديثة. فالعالم لا يتلقى الأحداث كما تقع فقط، وإنما يتلقاها كما تقدمها وسائل الإعلام.

ولذلك نحن في حاجة إلى بناء لوبي إعلامي عربي يستطيع مخاطبة العالم بلغاته وأدواته، ويقدم الرواية العربية بالمعلومة والوثيقة والحجة، ويواجه الإعلام الموجه الذي يسعى إلى تشويه صورة العرب أو فرض  أحادية للصراعات. الشباب يحتاج إلى تعليم جيد، وتدريب حقيقي، وفرص عمل، ورعاية صحية، وسكن مناسب، ومساحة للابتكار والمشاركة، وفرصة لتحويل العلم والأفكار إلى مشروعات.

والدولة تبذل جهودًا كبيرة في مجالات البنية الأساسية والتحول الرقمي والمدن الجديدة والتدريب وتمكين الشباب وغيرها، لكن المهم أن تصل هذه الجهود والفرص إلى الشباب بصورة واضحة وعادلة، وأن يعرفوا ماذا أعدت لهم الدولة، ولماذا تبذل هذه الجهود.

وبعد ذلك يأتي دور الشباب في تحمل المسؤولية: بالعلم والعمل والإنتاج والابتكار، لا بمجرد الشعارات. فالشاب الذي ينجح في دراسته أو عمله، ويبتكر مشروعًا، ويحافظ على أسرته ومجتمعه، ويحسن استخدام التكنولوجيا، ويواجه الشائعة بالمعلومة، هو في الحقيقة يواصل معركة أكتوبر ولكن بأدوات عصره.

 نحن في حاجة إلى استعادة الشخصية المصرية؛ شخصية تعرف قيمة الأسرة، وتحترم الكبير، وترحم الضعيف، وتحافظ على صلة الرحم، وتعمل بإخلاص، وتواجه الصعوبات بالصبر، ولا تسمح لوسائل التواصل الاجتماعي أن تعزل الإنسان عن مجتمعه أو تحول الخلاف إلى خصومة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تكريم جودة التعليم بالغربية الأزهرية في الملتقى الرابع لقطاع المعاهد الأزهرية

أكثرمن 2000 متسابق في الدورة الـ34 لمسابقة الحاج مالك عباس لحفظ القرآن الكريم بقرية صرد

صفط تراب تتشح بالسواد بعد وفاة شاب متأثرًا بإصابته في مشاجرة ثأرية