الدكتور إبراهيم الجمل يكتب: رسالة للمهاجر لغير بلادنا

 



أخي المهاجر أو المسافر لغير بلاده باحثاً عن العلم النافع أو للاستشفاء أو لتحصيل مصلحة ومنفعة لبلاده أعانك الله على الغربة فهي كربة مهما كانت البلاد التي سوف تذهب إليها مكتملة من مظاهر الحياة والرفاهية ...


أعلم أنك بنيتك مأجور فعليك أن تجد وتجتهد في عملك وكن صورة نافعة لدينك ووطنك وهويتك وثقافتك وأهله جميعاً فأنت لسان حالٍ لدينك ووطنك الناصع النافع وأنت سفيرٌ لدينك وما يدعو إليه ولبلدك وما فيها من خير وجمال وحضارة فكن خير رسول، ولا تُقِم هناك إلا إذا كان لك حاجة فإذا فرغت من قضاء حاجتك فسارع بالرجوع حفاظاً على دينك وأهلك ووطنك وتؤدي حق دينك ووطنك عليك مما نهلت أو اقتبست مما هو نافع ومتفق مع هويتك ...


*أما نصيحتي المطولة فهي لمن هاجر أو سافر معارضاً وكارهاً لبلاده لأنها لم تعطه ما يستحقه في ظنه*

فاعلم وفقك الله أن المنطلقات الفكرية هي مصدر السلوكيات والتصرفات فلو كانت صحيحة وصواباً فسوف تكون تباعاً السلوكيات والتصرفات كذلك، فمن المهم أن تكون المنطلقات الفكرية رشيدة نابعة من منهج الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ومن المنطلقات الفكرية الصحية أن تعلم أن الله مقسم الأرزاق وأن الرضا والقناعة هو سر القبول وأنه ليس كل ما يتمنى المرء يدركه وذلك لحكمة عند الله يعلمها، وأن الموفق من وفقه الله والمسدد من سدد الله خطاه، وأن الصبر والمثابرة على طلب الرزق بغير معصية الله هو سبيل المؤمنين، والإيمان الحقيقي يجعلك لا تيأس وتعمل بالحكمة والتي هي أحسن لإصلاح بلادك وتصبر على الأذى الذي سوف تلاقيه منهم فلا تسب الظلام بل ابحث أن تضيء شمعة، فرسالة الأنبياء والمرسلين هي الإصلاح بالحكمة والصبر والاستعانة بالله والسعي وتحمل المسؤولية والأذى ... حتى يأتي فرج الله ونصره *﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ﴾* [الأحقاف: 35] *﴿ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ﴾* [الأعراف: 170]


ولا يحملنك الغضب أن يتملكك الشيطان ويستحوذ عليك فتتحول إلى هدام ومفسد ومبير لدينك ووطنك... بحماسك الأهوج وقلة علمك وتأثرك ببلاد غير أهل دينك ...

فطالما حذرنا الدين من عدم الاغترار والانبهار بغير بلادنا فيحملنا على اليأس مما في أيدينا من الخير والفضل والشرف فقال تعالى *﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ _ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾* [آل عمران: 196-197]

وقال تعالى *﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾* [طه: 131]

وقال تعالى *﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ﴾* [الأحقاف: 20]

وجاء في الحديث *« أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ »* [البخاري ومسلم] وحديث *« يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ ... فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ »* [مسلم]


كل ذلك يجعلني أقول لك: اعلم أن الساخط والناقم على حاله رفضاً وكرهاً واستكباراً إنما إبليس هو إمامه ووليه فهو الذي سخط وكره أن يتفضل عليه ابن آدم عليه السلام. وكره أن يسجد له *﴿ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ _ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ _ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ _ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ﴾* [الحجر: 32-35]


فلا عيب أن تحب أن تتغير وتغير وطنك وأهلك إلى الأفضل ولكن عليك أن تسلك سبيل المؤمنين في الصبر والمثابرة الدائمة والحكمة والتحمل وبمنهج رب العالمين... دون أن تهدم أو تخرب بلادك باسم شعارات براقة كلها خداع كانت سبباً في خراب الكثير من بلادنا وهي مجاورة لمصرنا لأنهم سلكوا مسلك الغاضبين الكارهين دون حكمة أو صبر أو روية بل بطمع وأنانية كانت هذه نتائجها أمام الناظرين في العراق وسوريا ولبنان وليبيا واليمن والسودان ....


واعلم أنه من يلتحق ويحتمي بغير أبناء دينه ووطنه ولغته وهويته كارهاً وساخطاً ....

زاعماً أنه على حق فهو إما جاهل أو مأجور أو غافل مستغل أو عميل وقطعاً لابد أنه متروك من أصحاب تلك البلاد التي تحميه حتى تكون ظهيراً لهم على فساد بلادك ودينك ووطنك ولغتك وهويتك ...


فلا يذكر في التاريخ أن أحداً من الصحابة ترك بلاد الإسلام والمسلمين ولحق ببلاد غيرهم ساخطاً وناقماً ...

لينصر الحق أو يهدم بلاده بتحريض الناس باسم الإصلاح للبلاد !!!


فواهم كل من يظن أنه لن يخسر ! وهو يعيش ساخطاً على بلاده في بلاد غير بلاده وهي تختلف عن بلاده بل وتتعارض مع بلاده في الدين واللغة والقيم والعادات والثقافات ...


وواهم من يظن أنه سوف يحمي دينه أو نفسه أو أهله من التأثر بما يخالف عقيدته أو هويته أو ثقافته وعاداته .... وهو يعيش ساخطاً وناقماً على بلاده في بلاد غيره من أعدائه


وهو فريسة وفرصة سهلة كي تتخطفه شياطين الإنس والجن لكي تستعمله وتستغله كخنجر في ظهر دينه ووطنه ولغته وهويته .... وهو محب لذلك لأنه ساخط وناقم وكاره ... ليس لأنه على صواب كما ظن إبليس لما رفض السجود فهو على يقين أنه على خطأ ....

ولكن عناداً وكبراً منه لأنه لم يحصل على ما كان ينتظره من الفضل والشرف . فجاء آدم وأخذ ما كان يعد نفسه له ....


تماماً مثل ما حدث مع عبد الله بن أبي بن سلول لما كان يهيئ نفسه أن يكون ملكاً على المدينة وجاء رسول الله بقدر الله فرفض أن يسلم أو يطيع أو يكون من فريق المصلحين لأنه ليس رقم واحد في قمة الهرم !!!

فسبحان الله العظيم لو صدقت نيته في الإصلاح لكان في جنات النعيم ولكن منعه الكبر والكره والسخط لأنه لم يتحصل على ما ظن أنه من حقه فكان ظهيراً لقريش وللأحزاب واليهود ضد أهل الصلاح والإصلاح وعلى رأسهم سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم


تمام مثل ما حدث مع اليهود لما سكنوا المدينة ينتظرون خروج النبي صلى الله عليه وسلم منهم لكن لما خرج من غيرهم رفضوا وطعنوا فيه كرهاً وسخطاً وحمقاً وحسداً منهم لأنهم في ظنهم لم يأخذوا ما كان من حقهم ظلماً وزوراً .....


فيا كل غافل ومغلق العقل والقلب والفكر ... لأنك كاره وساخط لقدر الله أفق يرحمك الله وعد إلى رشدك فالكون له رب يرفع ويخفض ويصرف الأمور كيف يشاء فنحن عباد مخلوقون له سبحانه وتعالى لنا مهام وهي عبادته وعمارة الأرض وفق ما تيسر لنا من عطائه ومشيئته تبارك وتعالى


أسأل الله أن يحفظ علينا ديننا وأمننا وبلادنا ووحدتنا وقوتنا بحفظه ورعايته يا قوي يا متين


وصل اللهم وسلم وزد وبارك على صاحب الخلق العظيم وعلى سائر إخوته من الأنبياء والمرسلين وآله وصحبه الطيبين الطاهرين وسلم تسليماً كثيراً




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تكريم جودة التعليم بالغربية الأزهرية في الملتقى الرابع لقطاع المعاهد الأزهرية

أكثرمن 2000 متسابق في الدورة الـ34 لمسابقة الحاج مالك عباس لحفظ القرآن الكريم بقرية صرد

صفط تراب تتشح بالسواد بعد وفاة شاب متأثرًا بإصابته في مشاجرة ثأرية