اللواء سامي دنيا يكتب لا حَرْبَ ولا سَلَام… الخليجُ في قَبْضَةِ الاستنزاف!



آخر الأوضاع في المنطقة تحليلًا وتعقيبًا ورسالة طمأنة

تمر المنطقة خلال هذه الأيام بمرحلة شديدة الخطورة والدقة في ظل استمرار المواجهة الأمريكية الإيرانية وتداعياتها المتسارعة على الخليج والبحر الأحمر وأسواق الطاقة والملاحة الدولية وهي مرحلة يمكن وصفها بأنها لا حرب كاملة ولا سلام حقيقي فالمواجهة لم تنته ولكن يبدو أن الاستنزاف الاقتصادي والسياسي والعسكري أصبح أكثر حضورًا من فكرة الذهاب إلى حرب شاملة جديدة

إيران تدفع ثمنًا باهظًا لهذه المواجهة فقد أرهقت الحرب والعقوبات واضطراب التجارة وتراجع العملة وارتفاع الأسعار الاقتصاد الإيراني بصورة كبيرة وأصبحت الضغوط المعيشية تمثل تحديًا لا يقل خطورة عن التحديات العسكرية فالمشكلة بالنسبة لطهران لم تعد مرتبطة بالصاروخ والطائرة والمسيرة فقط وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بالمواطن الذي يريد أن يعيش ويعمل ويؤمن مستقبل أسرته

ومع ذلك فإن الإنصاف يقتضي التأكيد أن إيران منهكة لكنها ليست عاجزة فما زالت تمتلك قدرات عسكرية وأوراقًا استراتيجية مؤثرة وفي مقدمتها قدرتها على تهديد حركة الملاحة والطاقة في المنطقة والعالم من خلال مضيق هرمز كما أنها ما زالت قادرة على المناورة ورفع تكلفة أي مواجهة طويلة

وفي المقابل فإن الولايات المتحدة قوة عسكرية هائلة لكنها ليست بمعزل عن حسابات الاستنزاف فالحروب الطويلة تفرض ضغوطًا على الذخائر والسفن والأطقم والإمدادات والانتشار العسكري العالمي كما أن استمرار العمليات العسكرية لفترات طويلة يفرض تكاليف سياسية واقتصادية وعسكرية لا يمكن تجاهلها

ومن هنا تأتي أهمية الجدل المتزايد حول أوضاع القوات الأمريكية في المنطقة وحول استمرار انتشار حاملات الطائرات لفترات طويلة وما يرتبط بذلك من ضغوط على الأطقم والإمدادات والجاهزية وهي مؤشرات تؤكد أن إدارة الإجهاد والاستنزاف أصبحت جزءًا أساسيًا من حسابات أي مواجهة مقبلة

وفي الوقت نفسه لا ينبغي التعامل مع بعض الأخبار المتداولة عن نفاد الذخائر أو توقف خطوط الإمداد الأمريكية أو وجود أزمات لوجستية محددة باعتبارها حقائق نهائية ما لم تؤكدها مصادر رسمية وموثوقة فالحرب الإعلامية جزء من الصراع ومن الضروري الفصل بين المعلومات المؤكدة والتحليلات والتكهنات

والواضح أن واشنطن لا تريد بالضرورة الدخول في حرب مفتوحة بلا سقف زمني ولذلك أصبح الضغط الاقتصادي والعقوبات والتجارة والطاقة أدوات أساسية في المواجهة إلى جانب القوة العسكرية وهو ما يجعل المنطقة أمام نموذج جديد من الصراع لا يعتمد فقط على القنابل والصواريخ وإنما يستخدم الاقتصاد والملاحة والطاقة والأسواق كساحات للمواجهة

أما الخليج فهو في قلب هذه المعادلة فهو الأكثر تعرضًا لتداعيات أي تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران لأن أمن الطاقة وحركة الملاحة والاستثمارات والأسواق كلها تتأثر مباشرة بالأحداث العسكرية والسياسية ولذلك فإن استمرار التوتر يضع دول الخليج أمام تحديات أمنية واقتصادية واستراتيجية متزايدة

وهنا تأتي مصر

مصر لا تنظر إلى أمن الخليج باعتباره قضية بعيدة عنها وإنما تعتبر أمن الخليج جزءًا أساسيًا من الأمن القومي العربي وفي الوقت نفسه فإن مصر دولة لا تتحرك بمنطق الانفعال ولا تدخل صراعًا لمجرد أن هناك من يطالبها بذلك وإنما تتحرك وفق حسابات وطنية دقيقة ورؤية استراتيجية تحافظ على مصالحها وتحمي أمنها القومي

إن الرسالة المصرية إلى الأشقاء في السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر وسلطنة عمان هي رسالة واضحة مفادها أن أمن الخليج واستقراره يمثلان مصلحة عربية مشتركة وأن مصر لا تريد للخليج أن يتحول إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية

مصر لا تريد حربًا في الخليج ولا تريد أن تتحول الدول العربية إلى أدوات في صراعات القوى الكبرى كما أنها لا تريد أن تكون المنطقة رهينة لأي مشروع إقليمي يسعى إلى فرض نفوذه بالقوة

مصر تريد خليجًا عربيًا آمنًا مستقرًا مستقل القرار لا تابعًا لطهران ولا تابعًا لواشنطن ولا ساحة لتصفية الحسابات الدولية

وفي هذا السياق فإن الحديث عن أي انتشار عسكري مصري غير معلن في دول الخليج يجب التعامل معه بحذر شديد وعدم تقديم معلومات غير مؤكدة باعتبارها حقائق عسكرية فمثل هذه الملفات لا تحتمل الشائعات أو التقديرات غير الموثقة

أما الشعب المصري فأقول له بكل وضوح اطمئنوا

مصر دولة كبيرة بتاريخها ومؤسساتها وجيشها وموقعها الجغرافي وخبرتها السياسية والاستراتيجية وهي دولة تعرف جيدًا متى تتقدم ومتى تنتظر ومتى تفاوض ومتى تستخدم أدوات القوة

القوة المصرية ليست عسكرية فقط وإنما هي قوة دولة تمتلك مؤسسات وجيشًا واقتصادًا وموقعًا استراتيجيًا وخبرة تاريخية طويلة

والأهم أن مصر لا تبني قوتها العسكرية وحدها وإنما تعمل أيضًا على بناء الإنسان وتطوير التعليم والبحث العلمي ودعم مؤسسات الدولة وهو ما يعكس رؤية تتجاوز إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل

إن الدولة التي تستعد للمستقبل لا تكتفي ببناء القوة العسكرية وإنما تبني الجامعات وتدعم البحث العلمي وتطور اقتصادها وتستثمر في الإنسان لأن الأمن الحقيقي لا يقوم على السلاح وحده وإنما يقوم أيضًا على اقتصاد قوي وتعليم متقدم ومجتمع واعٍ ومؤسسات مستقرة

ولهذا فإن معركة مصر الحقيقية ليست فقط في مواجهة أي تهديد عسكري وإنما هي أيضًا معركة وعي واقتصاد وتنمية وصبر ونَفَس طويل

ومن الخليج إلى البحر الأحمر ومن ليبيا والسودان إلى غزة وشرق المتوسط تنظر مصر إلى المشهد باعتباره منظومة واحدة مترابطة لأن أمن المنطقة العربية لا يمكن تجزئته

الخلاصة أن إيران تواجه ضغوطًا اقتصادية وعسكرية وسياسية كبيرة لكنها ما زالت تمتلك القدرة على المناورة وأن الولايات المتحدة تمتلك تفوقًا عسكريًا هائلًا لكنها تواجه بدورها حسابات الاستنزاف والتكلفة وأن الطرفين لا يبدوان راغبين في فتح حرب شاملة بلا سقف

ولهذا أصبح الاقتصاد والعقوبات والطاقة والملاحة أدوات رئيسية في المعركة وأصبح الخليج أخطر نقطة في هذه المعادلة

لكن الرسالة التي يجب أن تصل إلى شعوب المنطقة هي أن الخوف لا يصنع قرارًا وأن الوعي هو خط الدفاع الأول

أما مصر فهي تعرف قيمة السلام وتعرف كذلك قيمة القوة ولا تبحث عن الحرب لكنها لا تسمح لأحد بأن يختبر قدرتها على حماية أمنها ومصالحها

مصر لا تريد أن تأكل إيران الخليج ولا تريد أن تدهس أمريكا الخليج وإنما تريد خليجًا عربيًا آمنًا قويًا مستقل القرار

فاطمئنوا يا أبناء مصر

بلدكم بخير وجيشكم قوي ودولتكم تعرف ماذا تفعل

ومصر لا تنام على مفاجآت الآخرين وإنما تبني قوتها وتستعد لكل الاحتمالات

حفظ الله مصر قيادة وشعبًا وجيشًا وحفظ أشقاءنا في الخليج وسائر شعوب المنطقة من ويلات الحروب والفوضى والصراعات وجعل مصر دائمًا واحة للأمن والاستقرار وسندًا لأشقائها

﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾

تحيا مصر قوية آمنة شامخة وقادرة على حماية نفسها وأشقائها


اللواء سامي دنيا يكتب لا حَرْبَ ولا سَلَام… الخليجُ في قَبْضَةِ الاستنزاف! 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تكريم جودة التعليم بالغربية الأزهرية في الملتقى الرابع لقطاع المعاهد الأزهرية

أكثرمن 2000 متسابق في الدورة الـ34 لمسابقة الحاج مالك عباس لحفظ القرآن الكريم بقرية صرد

صفط تراب تتشح بالسواد بعد وفاة شاب متأثرًا بإصابته في مشاجرة ثأرية