الطيبات من منظور شرعي"
شهدت الآونة الأخيرة انتشارًا واسعًا لما يُعرف بـنظام الطيبات، وهو نمط غذائي يعتمد على اختيار أطعمة محددة واستبعاد أخرى (كالخضروات الورقية والبقوليات والعديد من الفواكه) بناءً على رؤية طبية خاصة. ومع امتداد هذا النظام ليمس التفاصيل اليومية لحياة الناس، برز سؤال مهم لدى الكافّة: وهو كيف ينظر الشرع الحنيف إلى مثل هذه الأنظمة الغذائية المستحدثة؟ وكيف يُضبط مفهوم "الطيبات" بين النص الشرعي والتجربة البشرية؟.
أولا: مفهوم "الطيبات" في الاصطلاح الشرعي:
استعمل القرآن الكريم لفظ "الطيبات" في مواضع كثيرة، مقترنا بالإباحة والأمر بالتمتع بالنعم، كما في قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 172].
وفي الفقه الإسلامي، تجمع تعاريف العلماء للـ "طيّب" على معنيين رئيسيين:
1-المعنى الحلال (الشرعي): ما أذن الشارع في تناوله ولم يأتِ نصٌّ بتحريمه.
2-المعنى المستطاب (الحسي والصحي):
ما تستطيبه النفوس ولا يترتب على تناوله ضررٌ محققٌ على البدن.
فالشرع جعل الأصل في الأطعمة الإباحة والسعة، ولم يضيق نطاق المباحات إلا لما فيه ضرر مادي أو معنوي (كالخبيث من الخنزير والخمر والميتة وما أضر بالبدن).
ثانيًا: التحديد المفرط للمباحات بين السعة والضيق
من القواعد الاستقرائية المعلومة في الفقه الإسلامي أن التوسعة في المباحات رحمة من الله بالعباد؛ ولذلك فإن تخصيص مسمّى "الطيبات" بقائمة ضيقة من الأغذية، واعتبار باقي الأغذية الأصولية (كالبقوليات والخضروات) مسببة للأمراض أو غير طيبة، يطرح محذورَين من الناحية الشرعية:
1.الوقوع في شبهة التضييق على ما وسّعه الله،
قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32]،وإن كان أصحاب هذه الأنظمة لا يدّعون "التحريم الشرعي" بالمعنى الفقهي، إلا أن المبالغة في نهي الناس عن أطعمة أصلية أحالها الشرع على الإباحة والاستحسان قد توجد لدى العامة انطباعا خاطئا يمسّ أصل السعة الشرعية.
2. مصادرة الأصل العام في النعم:
إن الله امتنّ على عباده بإنبات الخضار والعدس والبصل والحدائق الغلْب، كما في سورة عبس: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾. فجعل هذه الأغذية نعمًا يُشكر عليها، والأصل في النعم الأمن والنفع لا الضرر والمنع، إلا لعارض طبيّ فردي.
ثالثا: ضابط "لا ضرر ولا ضرار" والنظرة الفردية للطب
يقوم الشارع الحكيم على قاعدة كبرى هي: (لا ضرر ولا ضرار). ومن المعلوم طبيّا وشرعيا أن الأبدان تختلف في استجابتها للأغذية:
*التشخيص الخاص مقابل التعميم العام:
إذا أثبت الطب الحديث أو التجربة السريرية لمريض معين أن نوعا محددا من الطعام يضر بجسده (كالقولون العصبي أو حساسيات معينة)، فإنه يشرع لهذا الفرد امتثالا لحديث النبي ﷺ الامتناع عن هذا الطعام بعينه تجنبا للضرر.
-النهي الشرعي عن التعميم الشامل:
الإشكال الشرعي يكمن في تحويل الحالة الفردية أو النظريات غير المجمع عليها إلى "قانون عام" يُلزم به الشارع أو يُصوَّر للناس وكأنه منهج الحياة الأساسي للجميع. فالأصل في المباحات أنها تتنوع بتنوع أمزجة الناس وأقاليمهم وأبدانهم.
رابعا: الاستشهاد بالنصوص وقواعد الاستدلال
قد يستدل البعض بأدلة شرعية في معرض ترجيح أنواع من الطعام على أخرى.
وهنا ينبه علماء الشريعة إلى أهمية الاستدلال المتزن:
-عدم تحميل النصوص غير ما تحتمل:
ذكر القرآن الكريم الأطعمة كالتين والعنب والرمان هو من باب الامتنان والتذكير بعظيم قدرة الخالق والنعم، وليس محصرا للغذاء الصالح فيها دون غيرها، ولا نفيا للنفع عما لم يُذكر.
-الاعتبار بالعرف والطب:
أمور التداوي والتغذية التفصيلية مرجعها إلى العرف التجريبي والطب المقارن، والنبي ﷺ قال: **«أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» [رواه مسلم]، مما يفتح الباب للعلوم التجريبية لتبين النافع والمضار وفق منهجية علمية معتمدة وموثقة.
وخلاصة أحكام المقال
عند عرض "نظام الطيبات" -أو غيره من الحميات الغذائية الحديثة- على منظار الشرع، نخلص إلى النكات الفقهية التالية:
1. جواز الاتباع الشخصي: يجوز للمسلم اتباع هذا النظام إن وجد فيه نفعا لبدنه أو راحة لجسده، شريطة ألا يعتقد أن ما يستبعده من الأطعمة المباحة شرعا هو "خبيث" بالمفهوم الشرعي.
2. عدم التضييق على الناس:
لا ينبغي تعميم نظام غذائي يمنع أطعمة أصلية كالخضار والبقوليات على أنه "المنهج الوحيد الصحيح"؛لما فيه من مخالفة لسعة الشريعة وامتنان الله بالنعم.
3. الاعتماد على العلم المحكم: التداوي والأنظمة الغذائية مرجعها المنهجية الطبية الموثقة القائمة على الأبحاث والعدالة العلمية، والشرع حث على الأخذ بالأسباب والتحري في الطب.
والله تعالى أعلى وأعلم.
ميادة حلمي محمود
منطقة وعظ كفر الشيخ

تعليقات
إرسال تعليق